الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الملوك يغيرون بهدوء .. مجلس شورى السعودية أنموذجا

الملوك يغيرون بهدوء .. مجلس شورى السعودية أنموذجا

في خطوة عملية سيكون لها ما بعدها ، قرر العاهل السعودي تخصيص ما لا يقل عن خُمس أعضاء مجلس الشورى  لفائدة النساء . وقبل سنة ونيف أعلن الملك عبد الله بن عبد العزيز عزمه على إحداث تغيير تاريخي  . ففي شهر سبتمبر 2011 أعلن الملك في خطاب له عن إعادة الاعتبار للمرأة التي (يعلم الجميع بأن للمرأة المسلمة في تاريخنا الإسلامي، مواقف لا يمكن تهميشها، منها صواب الرأي، والمشورة، منذ عهد النبوة، دليل ذلك مشورة أم المؤمنين أم سلمة يوم الحديبية، والشواهد كثيرة مروراً بعهد الصحابة، والتابعين، إلى يومنا هذا).ومن أجل أجرأة هذا الاعتبار  والاهتمام والقطع مع تهميش المرأة ، قرر الملك الإعلان عن خطوات عملية كالتالي ( ولأننا نرفض تهميش دور المرأة في المجتمع السعودي، في كل مجال عمل ..  فقد قررنا التالي :

أولاً: مشاركة المرأة في مجلس الشورى عضواً اعتباراً من الدورة القادمة وفق الضوابط الشرعية.

ثانياً: اعتباراً من الدورة القادمة يحق للمرأة أن ترشح نفسها لعضوية المجالس البلدية، ولها الحق كذلك في المشاركة في ترشيح المرشحين بضوابط الشرع الحنيف) . وتطبيقا لهذا الوعد والعزم الملكيين ، قرر الملك عبد الله اتخاذ خطوة شجاعة لم تخطوها حتى الأنظمة السياسية التي جاءت بها ما بات يعرف “ثورات الربيع العربي”. ويتعلق الأمر بقرار تخصيص خُمس أعضاء مجلس الشورى لفائدة النساء . وبمقتضى هذا القرار ، أمر الملك بتعديل المادة (الثالثة) من نظام مجلس الشورى الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/91) بتاريخ 27/8/1412هـ المعدلة بالأمر الملكي رقم (أ/26) بتاريخ 2/3/1426هـ ، لتصبح بالنص الآتي:

” المادة الثالثة ” ( يتكون مجلس الشورى من رئيس ومائة وخمسين عضواً ، يختارهم الملك من أهل العلم والخبرة والاختصاص ، على ألاّ يقل تمثيل المرأة فيه عن ( 20 بالمائة) من عدد الأعضاء ، وتحدد حقوق الأعضاء ، وواجباتهم ، وجميع شؤونهم بأمر ملكي ) . وهذه الخطوة الحميدة ليست بالهينة في ظل وجود مقاومة من بعض الجهات. إلا أن إرادة الملك وتقديره لجسامة الأمانة نحو الوطن والإنسان ، جعلته يقرر إحداث التغيير في إطار يحفظ للمجتمع توازنه .

لهذا أعلن الملك ، في خطاب سبتمبر 2011 ، عزمه على خوض التغيير ومواجهة  الرفض ( نعم .. هي الأمانة والمسؤولية تجاه ديننا، ومصلحة وطننا، وإنسانه، وأن لا نتوقف عند عقبات العصر، بل نشد من عزائمنا، صبراً، وعملا ، وقبل ذلك توكلاً على الله – جل جلاله – لمواجهتها. إن التحديث المتوازن، والمتفق مع قيمنا الإسلامية، التي تصان فيها الحقوق، مطلب هام، في عصر لا مكان فيه للمتخاذلين، والمترددين.). 

إنها خطوات متوازنة تروم التغيير الهادئ وخلخلة البنيات الاجتماعية والنفسية المقاومة للتغيير حتى لا تحدث أية رجة من شأنها أن تهدد النسيج المجتمعي المتماسك . والقرارات التي يأخذها العاهل السعودي ، في ظل المقاومات الذهنية لتيار المحافظين ، لها أرثها الإيجابي على المجتمع السعودي حاضرا ومستقبلا ؛ فهي في الحاضر بمثابة الخطوة الأولى في مسافة الألف ميل ، بحيث لا يمكن قطع أية مسافة طويلة إلا عبر خطوات . وحيث يألف المجتمع السعودي عملية التغيير وتصبح من إيقاعه اليومي ، سيمنح لقيادته السياسية فرصا أكبر لاتخاذ خطوات أعظم . 

وإذا كانت المرأة في المجتمعات التي اجتاحتها “ثورات الربيع العربي” قد فقدت كثيرا من حقوقها ومكتسباتها رغم ما بذلته من تضحيات في سبيل تحقيق التغيير وإنجاح الثورة ، فإن المرأة السعودية تقطف ثمار التغيير السلمي والهادئ دون ثورة أو فورة . ولعل هذه من المفارقات التي يسجلها التاريخ المعاصر : تغيير بدون ثورة يحقق للمرأة مكتسبات لم يحققها التغيير الثوري الجارف . 

ولعل هذا جواب عن إشكال حقيقي لم يستوف حقه من الاهتمام البحث : إشكال التغيير في ظل الاستمرارية أم القطيعة . لحد الآن المجمعات التي سلكت نهج التغيير بالقطيعة لم تفلح ولم تقدم نموذجا مغريا يوفر للإنسان ، وضمنه المرأة ، ما كان يطمح إليه ، بل أفقده ما كان ينعم به . ومثال التونسيين والليبيين والمصريين واليمنيين خير دليل عن المأساة التي يتجرعها المواطن في أمنه وقوته وكرامته وحريته واستقرار وطنه . 

فالجوع والفقر والعطالة والتطرف عناصر تطحنه يوميا وتطارده ،حتى بات هذه الشعوب تعيش ثورة ضد ثورة . فالثورة التي لا تحمل إلى السلطة قيادة تحس بنبض المواطنين وتسمع مطالبهم وتتفاعل مع طموحاتهم إنما هي فتنة وليس ثورة . 

ولا شك أن قرار خادم الحرمين الشريفين اليوم بتعيين خُمس أعضاء مجلس الشورى من النساء ، ليس قرار معزولا ويتيما ، بل هو ثمر قرارات سبقته ، وهو أيضا لبنة في صرح التغيير يهيئ لقرارات ستتلوه . ولعل السماح بتدريس الموسيقى والرياضة البدنية في المدارس ، وكذا السماح بمشاركة المرأة في الألعاب الأولمبية ، والترخيص لتتولى المرأة مهنة المحاماة ولتقيم في الفنادق دون محرم وغيرها من القرارات ، هي ثورة هادئة يعيشها المجتمع السعودي . 

فقبل سنوات قليلة ، أحدث ظهور مذيعة في فضائية سعودية ضجة كبرى في الأوساط المحافظة التي حاولت استغلاله لوقف التحديث والانفتاح ، لكنها خسرت المعركة وربحت القيادة السياسية الرهان ، رهان التغيير المتوازن دون ضجيج ولا خسائر ولا دماء . فليس التغيير أن تقلب النظام وتجر الوطن إلى فتنة لا تبقي ولا تذر ، بل التغيير أن تقدم للمواطن مكاسب جديدة دون أن يفقد أمنه واستقراره وكرامته .        

يعلم الجميع بأن للمرأة المسلمة في تاريخنا الإسلامي، مواقف لا يمكن تهميشها، منها صواب الرأي، والمشورة، منذ عهد النبوة، دليل ذلك مشورة أم المؤمنين أم سلمة يوم الحديبية، والشواهد كثيرة مروراً بعهد الصحابة، والتابعين، إلى يومنا هذا.

ولأننا نرفض تهميش دور المرأة في المجتمع السعودي، في كل مجال عمل، وفق الضوابط الشرعية، وبعد التشاور مع كثير من علمائنا في هيئة كبار العلماء، وآخرين من خارجها، والذين استحسنوا هذا التوجه، وأيدوه، فقد قررنا التالي :

أولاً: مشاركة المرأة في مجلس الشورى عضواً اعتباراً من الدورة القادمة وفق الضوابط الشرعية.

ثانياً: اعتباراً من الدورة القادمة يحق للمرأة أن ترشح نفسها لعضوية المجالس البلدية، ولها الحق كذلك في المشاركة في ترشيح المرشحين بضوابط الشرع الحنيف.

من حقكم علينا – أيها الإخوة والأخوات – أن نسعى لتحقيق كل أمر فيه عزتكم وكرامتكم ومصلحتكم .. ومن حقنا عليكم الرأي والمشورة، وفق ضوابط الشرع، وثوابت الدين، ومن يخرج على تلك الضوابط فهو مكابر، وعليه أن يتحمل مسؤولية تلك التصرفات.

هذا وأسأل الله لنا جميعاً العون والعزة والتمكين.

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*