الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إلى المصريين أعضاء الجماعة في الخليج

إلى المصريين أعضاء الجماعة في الخليج

في مقاربتي للمشكلة التي تفجرت مؤخرا بين السلطات المصرية والإماراتية، ولشح المعلومات، وخطورة الواقعة التي نحن بصددها وغموضها وتعقدها، اسمح لي أن أبدأ بثلاث مقولات قديمة أستعين بها على طرح أفكاري؛ الأولى هي: ما لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يجني عليه اجتهاده. والثانية هي: على الأمير أن يغير طريقته عندما تتغير الظروف. غير أن قائل هذه الكلمات يجزم بأن الأمير سيعجز عن تغيير طريقته، إذ طالما نجح بها، لا شيء على الأرض قادر على إقناعه بأن طريقته التي كانت ناجحة طول الوقت من قبل، باتت غير صالحة في التعامل مع الواقع وأنها أصبحت مصدرا لأخطار مهلكة. والثالثة هي: بغير تنازل، لتكن علاقتك طيبة بكل البشر.

غير أنني لست مطمئنا لصحة ترجمتي عن الإنجليزية لهذه المقولة الشعرية، وأتمنى أن تساعدني للوصول إلى الترجمة الصحيحة «Without surrender، be in good terms with all persons»

لاحظ استخدام كلمة (Terms) التي تعني أيضا شروطا وقواعد، هناك شروط إذن لأي علاقة لك بالآخرين. ولعل أفضل الشروط وأوضحها هي أن تحترم الآخر سواء كان فردا أو سلطة أو حكومة. أن تحترم قوانينه وقواعده التي اختارها أساسا لأسلوبه في الحياة. غير أن المقولة الأولى حيرتني طويلا، ماذا هو «عون الله» الذي هو ضرورة لتحقيق الكسب وتفادي الخسارة والذي في غيابه يتحول كل اجتهاد لك لكوارث تنزل بك ومصائب تحل عليك؟

ليكن تصورك عنه ما تشاء، أما أنا فأتصور أنه القدرة على إدراك المتغير، وهو ما يتطلب عقلا ناقدا ونفسا شفافة والقدرة على رؤية الأشياء على ما هي عليه وليس كما تتوهمها أو تتمناها، والرغبة في الخير لنفسك وللآخرين بنفس القدر، إنه السلام تطلبه لنفسك وللآخرين، لا بد أن عون الله هو كل ما هو جميل وخير وطيب.

لندخل الآن حقل الألغام.. جماعة الإخوان المصرية، جماعة دولية، أي إن تشكيلاتها تشمل كل دول العالم، ومن البديهي أن تكون موجودة في الدول العربية وفي دول الخليج بالتحديد حيث الثروة والحماية والتعاطف. ومن خمسينات القرن الماضي وربما قبل ذلك بسنوات قليلة، مثلت دول الخليج العربي للجماعة درعا ومرفأ وذلك لأسباب تراثية وأخلاقية باعتبارهم مستجيرين وأيضا لأسباب سياسية باعتبارهم حائط صد ضد أنظمة عسكرية ثورية ناصبتهم العداء طول الوقت. 

هذا هو الوقت وهذه هي الظروف التي كونت فيها الجماعة ثرواتها الكبيرة وعلاقاتها القوية بالبشر وبالمؤسسات الخليجية. لم يحدث من قبل أن نظرت إليها حكومات الخليج باعتبارها تشكل تهديدا لها أو خطرا عليها من أي نوع. ربما فقط نظروا إليها ببعض الريبة بعد غزو صدام حسين للكويت، بعد أن اكتشفوا أن الجماعة لم تقف بحسم معها، بل ربما تساءلوا، من الواضح أنهم لا يقفون معنا بقلوبهم، هل كانوا يقفون معنا بجيوبهم فقط؟ ولكنها كانت سحابة صيف ومرت ولكن المؤكد أنها حركت عند هذه الحكومات ماكينة الشك والريبة وجعلتها قابلة للدوران بأقصى طاقة لها في الوقت المناسب.

لقد ضرب البروجي نوبة صحيان من شأنها أن توقظ المعسكر الخليجي كله. وذلك بعد أن وصلت الجماعة إلى الحكم في مصر بعد ثورة الشارع على النظام السابق. وفي جماعة يؤمن أصحابها بحتمية الوصول إلى دولة إسلامية واحدة، وهو ما يحتم زوال الدولة الوطنية، لذلك لا بد لأفرادها من العمل بوعي أو بغير وعي على تحقيق هذا الهدف، هذا هو بالضبط ما أزعم أن حكومات الخليج باتت منشغلة بالتفكير فيه. نحن الكتّاب والمحللين السياسيين ربما ننتظر وقوع الكارثة لنتناولها بالتحليل، أما أجهزة الأمن السياسي فهي تحرص على أن تتشممها من بعيد وتعمل بكل قوتها على عدم وصولها أو الوصول إليها.

استنادا لكتابي الأستاذ ثروت الخرباوي («قلب الإخوان» + «سر المعبد») عضو الجماعة المفصول، لا تعمل الجماعة على تجنيد الأعضاء الجدد فقط، بل تحرص على اختراق أجهزة الدولة الوطنية الحديثة، مثل الجيش والقضاء. لا شك أن أي رجل أمن سياسي سيشعر بالفزع عندما يستضيفك في خيمته ويفاجأ بك تقترب من أوتادها وأنت تحمل منشارا. في هذه اللحظة تفقد صفتك كمستجير وحتى كمواطن باحث عن عمل وتتحول إلى خطر عليه أن يحمي نفسه في مواجهته.

على أعضاء الجماعة في الخليج وفي أي بلد عربي، أن ينسوا عضويتهم للجماعة ومتطلباتها واشتراكاتها وأن يتحولوا إلى عاملين فقط، بل على الجماعة نفسها في القاهرة أن تصدر قرارا بكل وضوح بتجميد عضوية كل من يعمل في الدول العربية، لقد تغيرت الظروف وعليهم أن يغيروا طريقتهم. من المعروف في الحكومات الانقلابية الثورية، أن الجناح المتشدد أو المتطرف هو الذي يصل إلى الحكم، وهو ما أعتقد أنه حادث في مصر الآن، مستندا أيضا إلى كتابي السيد ثروت الخرباوي، أستطيع أن أقول إن الجناح القطبي هو الذي يحكم، وهو أيضا ما صنع مناخا شجع بعض الناس على إرسال خطابات تهديد لأساتذة الأزهر يطلبون فيها منهم تجديد إسلامهم، ولعل أفضل ما يمكن أن تقوم به الجماعة هو أن تناقش وضعها الحالي مناقشة جادة ربما يخرجون منها بأن دور الجماعة قد انتهى تاريخيا وأن استمرارها يعني المزيد من المتاعب لأفرادها وللمصريين وعلاقتهم بالدول العربية. 

عندما تعمل في السياسة، ماذا تريدون أكثر من أن يكون لديكم حزب سياسي. أعانكم الله بعونه على فهم كلماتي وما أطلبه منكم، لأن البديل الوحيد لذلك هو أن يجني عليكم – وعلينا أيضا – كل اجتهاد لكم.

في هذا العصر لا أحد قادر على إخفاء ما يفكر فيه، ونحن المصريين في حاجة إلى دول الخليج لنبيعهم قوة عملنا فليس لدينا غيرها، مهندسين، أطباء، مدرسين، عمالا مهنيين، نحن لا نذهب إلى الخليج لنساعدهم على دخول الجنة، ولا لمساعدتهم على استعادة الخلافة الإسلامية، بل لنساعد أولادنا على دخول المدارس والجامعات، ولنطعم أهلنا ونبعد عنهم الفاقة. 

وأنت عندما تملأ استمارة الحصول على تأشيرة لا تكتب فيها أنك عضو الجماعة الفلانية بل تكتب مهنتك وأنك مؤهل على القيام بها تمام التأهيل. على من يريد الدولة الإسلامية الموحدة، والقدس عاصمة لها، وعلى من يريد استعادة الأندلس (حدثت منذ عدة أيام مظاهرة في ميدان سفنكس تطالب باستعادة الأندلس) أن يبقى في القاهرة وفي بقية مدن الوادي. حيث الإمكانات هنا أكبر من أي مكان آخر ولدينا هنا تراث غني باستعادة البلاد، لقد كانت الصيحة يوما ما عندما كنا نحارب الاستعمار هي.. مصر والسودان لنا وإنجلترا إن أمكنا..

وفقدنا السودان ثم فقد السودانيون نصفه، أما إنجلترا فقد أفلتت من أيدينا، وربما يمكن تحقيق أمنيتنا القديمة، بعد عودتنا إلى الأندلس، لأننا سنكون حينذاك أقرب إلى إنجلترا، يا دوب نعدي البحر.. هذا أمر ممكن جدا.. ما ضاع حق وراءه مطالب.

————

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- علي سالم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*