الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عامان على ثورة الياسمين ،حان وقت الحساب.

عامان على ثورة الياسمين ،حان وقت الحساب.

حلت يوم 14 يناير الذكرى الثانية للثورة التونسية ، ثورة الياسمين التي ألهمت الشعوب العربية ووضعتها في صلب اهتمام العالم  بعد أن جعلتها مضرب الأمثال . يحق للتونسيين أولا ولعموم الشعوب العربية ، وخاصة تلك التي لم تخض ثورتها أو خاضتها بأسلوبها وأدواتها ، طرح سؤال بسيط وعميق : ماذا تحقق من الشعارات التي رفعتها الثورة ؟ عامان كافيان لأخذ المسافة الضرورية  وتقيم مسار الثورة  والوقوف على إخفاقاتها أو إنجازاتها . وهي مناسبة لحركة 20 فبراير المغربية لكي تخضع تجربتها للنقد الموضوعي من أجل رسم الأفق بكل وضوح حتى لا تعيد إنتاج نفس الأخطاء التي سقطت فيها  من قبل أو تختار الطابع الذي اتخذته الحركات الاحتجاجية التي انتهت بقلب النظام . فالعاقل من اتعظ بغيره . 

وأمامنا اليوم التجربة التونسية لمحاكمتها واستقراء عبرها ؛ وليس القصد التخويف والتنفير ، بقدر ما هو الدرس والاعتبار . لأجل هذا أدعو لقراءة المعطيات التالية واستحضارها عند التفكير في المسار أو اتخاذ أي قرار ، خصوصا والذكرى الثانية لتأسيس حركة20  فبراير تقترب . من المعطيات التي كشفت المصادر الرسمية في تونس تلك المتعلقة بنسب البطالة حيث ذات المصادر تشير إلى أن وتيرتها في ارتفاع مضطرد بحيث انتقلت من   13٪  شهر مايو  2010  إلى 18.3٪ في مايو 2011 لتصل   إلى 17.6 في 2012 . 

وإذا قورنت هذه المعدلات مع نظيرتها في الدول المجاورة التي لم تجتحها الثورة نجدها مرتفعة جدا ، بحيث  لا تتجاوز نسبة البطالة في الجزائر 10٪ وفي المغرب 9.1٪ خلال سنة 2011. وترتب عن هذه  المعدّلات ارتفاع نسبة الفقر  التي ناهزت بدورها 15٪ وفق الإحصائيات الرسمية في تونس.

وتظل المرأة الخاسر الأكبر من الوضعية التي أحدثتها الثورة حيث تمثل نسبة البطالة في صفوف النساء 26,9 ( 26 فاصلة 9 )بالمائة ، وهي من أعلى مستويات البطالة في العالم خلال 2012 . كما أن نسبة بطالة حاملات الشهادات العليا تضاعفت في شهر فبراير 2012 لتصبح 49,4 ( 49  فاصلة 4 )بالمائة مقابل 21 بالمائة لدى الذكور. 

أكيد أن الأزمة المالية التي تعاني منها أوربا لها انعكاس مباشر على اقتصاد تونس ، لكن لها أيضا نفس الانعكاس على اقتصاديات الجزائر والمغرب . 

ويمثل الشباب المتضرر الأول من البطالة ، وهو الذي فجر الثورة وحدد لها شعاراتها المركزية وأهدافها الأساسية المتمثلة في محاربة الفقر والبطالة والاستبداد ،إذ تضاعف عدد العاطلين بين مايو 2010  ومايو 2011 ، حيث انتقل من  491 ألف عاطل إلى 704 آلاف عاطل ، ضمنهم  217 ألف من حملة الشهادات الجامعية . 

وظل التونسيون يشكون من غياب العدالة في التشغيل والتنمية بين الجهات كما بين المدن والقرى . الأمر الذي فجر احتجاجات كانت دموية عنيفة في كثير من الأحيان حيث رفع المحتجون نفس الشعارات التي رفعوها ضد نظام بنعلي . 

والأحداث التي عاشتها مدينة بنقردان وقبلها سيدي بوزيد مهد الثورة ثم مدينة سليانة التي استُعملت فيها أنواع من الرصاص محرمة دوليا ،  تعكس عمق اليأس والتذمر من تردي الأوضاع الاجتماعية . فتونس الثورة تعيش حالة إفلاس اقتصادي حيث أعلنت الخزينة العامة التونسية عجزها عن دفع رواتب الموظفين نهاية شهر يناير الجاري ، وإن تمكّنت من هذا فبفضل العائدات المترتبة عن بيع ثياب ومجوهرات بنعلي وزوجته . 

وهذا ما أكد صحته سليم بسباس كاتب الدولة التونسية  للمالية نفسه ، معلنا  أن الخزينة العامة للبلاد التونسية تحتوي على السيولة الكافية والتي ستمكن من خلاص رواتب الموظفين ومصاريف الدولة في الآجال المحددة.

مشيرا أن هذا الوضع لا يدعو إلى التخوف من عدم قدرة الدولة على خلاص أجور هذا الشهر وان هناك سيولة كافية لتغطية هذه المصاريف حيث من المنتظر أن تتطور سيولة خزينة الدولة قبل 20 يناير الجاري. وأن 600 مليون دينار متأتية من بيع أملاك مصادرة للرئيس المخلوع وعائلته إضافة إلى أموال أخرى متأتية من التصاريح الجبائية على الأشخاص الطبيعيين ستتجاوز 100 مليون دينار ستدخل الخزينة العامة للدولة قبل 20 يناير ؛ وأن تونس ستحصل أيضاً على قروض مبرمجة في الموازنة من البنك الدولي والبنك الافريقي للتنمية ستخصص لتسديد نفقات التنمية المبرمجة لسنة 2012. لكن السؤال  هو : ماذا عن الشهور القادمة ؟ وهل القروض المخصصة للتنمية ستصرف على أجور الموظفين ؟ 

هذه الوضعية الصعبة التي تعيشها تونس والتي أفقدت الدولة هيبتها فانعدم الأمن ، هي التي جعلت  راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة الإسلامي الحاكم في تونس، يحذر التونسيين قبل 3 أيام من إحياء الذكرى الثانية للثورة ، من تحول الثورة إلى “فوضى”. إذ قال  أمام مئات من أنصاره في منطقة رواد بالضاحية الشمالية للعاصمة التونسية ، إن “بلداناً كثيرة استطاعت الإطاحة بنظامها والطغاة، لكن لم تقدر على بناء دولة ديمقراطية بسبب سوء استعمال الحرية”. بل حذّر من صوملة تونس “لا نريد أن تتحول الثورة (التونسية) إلى فوضى. لا نريد أن تكون تونس مثل الصومال”.  

فالثورات ليست دائما السبيل الوحيد لبناء الدولة الديمقراطية . وهذا الذي ينبغي استخلاصه من “ثورات الربيع العربي” .والجدير بالإشارة أن تونس  تواجه ، بالإضافة إلى الصعوبات الاقتصادية والاختلالات المالية ، ظاهرتين خطيرتين : الأولى ، ظاهرة الزواج العرفي التي باتت تهدد التركيبة الاجتماعية والثقافية لمجتمع كثيرا ما افتخر بريادته على مستوى مدونة الأحوال الشخصية وحقوق المرأة . فالحكومة الحالية أبعد تكون عن الانشغال بهذه الظاهرة رغم صرامة القانون  الذي يعتبر الزواج العرفي باطلا  ويعاقب عليه طبقا لأحكام الفصل 36 من قانون الحالة المدنية والفصل 31 منه ، بحيث يعاقب الزوجين بالسجن مدة ثلاثة أشهر . 

فضلا عن هذا هناك استهداف مباشر للمرأة  في حريتها وحقوقها ووضعيتها القانونية بسبب التراجعات الحقوقية التي تكرسها مسودة الدستور التي لا تقر بمبدأ المساواة ولا تنص على كونية حقوق الإنسان . 

أما الظاهرة الثانية فتتمثل في التطرف الديني ، حيث برزت مجموعات تمارس عنفها ضد الأفراد والممتلكات العامة والخاصة كانت سببا مباشرا في هروب المستثمرين  والسياح . 

واستغلت التنظيمات الإرهابية ضعف الدولة وهشاشة مؤسساتها الأمنية لتقيم على ترابها معسكرات وقواعد خلفية لتخزين السلاح أو تهريبه في اتجاه الجزائر وشمال مالي . 

وبسبب حالة الارتباك السياسي والتقاطبات الحزبية ،لم تتمكن الطبقة السياسية حتى الآن من صياغة دستور جديد للبلاد أو تحديد جدول سياسي وانتخابي. ثورة ستفقد التونسيين كل مكاسبهم وتعصف بآمالهم في الديمقراطية والكرامة إذا لم يتداركوا أمرهم . 

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*