السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المقاتلون في أزواد .. قراءة في الهوية والتركيبة

المقاتلون في أزواد .. قراءة في الهوية والتركيبة

الظواهر السياسية يصعب فيها الحديث عن دافعٍ واحد، وهدفٍ واحدٍ، وفاعلٍ واحدٍ، وإنما تتعد الدوافع، وتتعدد الأهداف، ويكثر الفاعلون، ولابد – كي تتم القراءة – من تتبع السياقات الداخلية والإقليمية والدولية.

جذور المشكلة وسياقها الداخلي:

الطوارق من شعب الأمازيع(وكلمة الأمازيغ تعني الأبيض الحر)، وهم من أصول غير أفريقية، بيض البشرة، يتحدثون اللغة الأمازيغية، مسلمون سنة على المذهب المالكي، إلا أنه ينتشر بينهم السحر الأسود والكهانة والشعوذة.

يشغلون مساحة جغرافية متصلة تبدأ من جنوب مصر (وادي حلفا) وغرب ليبيا وتونس، وجنوب الجزائر، والنيجر وشمال مالي وبوركينا فاسو. 

ومع اتصال الرقعة الجغرافية التي يعيشون عليها إلا أنهم مقسمون على عددٍ من الدول.حالهم كحال شعب الصومال (مقسم في الصومال وأثيوبيا[ أوجادين، أو غرب الصومال]، وكما الأكراد. وهذا التقسيم سببه تقسيم المستعمر لبلاد المسلمين.

قاوم الطوارق المحتل الفرنسي ثم خضعوا له، وبعد رحيله قسمت أرضهم على عددٍ من الدول، وكان تمركزهم الأكبر في “مالي”،و “النيجر”، و”بوركينا فاسوا”،ولم تندمج هذه الشعوب فيما جاورها ممن يخالطونهم من الشعوب؛ وبسبب سوء الحالة الاقتصادية والاضطهاد السياسي وموجات الجفاف اضطربت أوضاعهم في البلدان التي خضعوا لها، ونشبت بينهم وبين الحكومات صراعات أدت إلى اتخاذا إجراءات متفاوتة في حقهم، فمن توطينهم بعد صراع في مالي، إلى عدم توطينهم كما في النيجر إلى فرد الأحكام العرفية عليهم وإقصائهم في جنوب البلاد والاستيلاء على الثروات البترولية التي نشأت في بلدانهم كما الجزائر. وتاريخياً عملوا في حماية القوافل المارة بهم، ووسيط تجاري بين الشمال ووسط أفريقيا، وفي تجارة العبيد.

مطالبهم السياسية:

هوية الطوارق ليست إسلامية خالصة، وإنما بينهم مجاهدون ويبرزون في مقدمة الأحداث الحالية، ولذا نتحدث عن مطالب الأمة الطوارقية ومطالب الفئة المجاهدة فيها:

طبيعة الطوارق بدوية لا تعرف الحدود الجغرافية، ومنذ نشأت الدول القومية بعد رحيل المحتل الأوروبي كثرت حروبهم مع الحكومات، وفشلت محاولات توطينهم في مالي والنيجر، ومطالبهم السياسية تنحصر بين :

المطالبة بتحسين الأوضاع السياسية داخل البلد الذي يسكنون فيه، وقد قاتلوا من أجل ذلك في النيجر ومالي، وانتهى الأمر بسيطرتهم على جزء (الأزواد) في شمال مالي واستقلوا به.

المطالبة بوطن كبير يجمع شتاتهم في البلدان.

تكونت حركات مسلحة من الطوارق بعضها قادم من الجزائر بهوية إسلامية جهادية؛ وبعضها قادم من ليبيا بمستوى تدريب عالي وسلاح متطور ومتنوع وقد قاتل مع القذافي إلى أن رحل؛ واجتمعوا – وخاصة أصحاب الهوية الإسلامية منهم – على إقامة وطن خاص بالطوارق في شمال مالي وسيطروا على منطقة الأزواد وأعلنوها دولة مستقلة، ولم يعترف بها المجتمع الدولي إلى الآن.

الأطراف الإقليمية والدولية:

يتواجد في المشهد”الطوارقي” عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، ويمكن بيان ذلك في التالي:ـ

1ـ حكومات الدول التي يسكنها الطوارق: ويشمل ذلك الجزائر وليبيا ومالي والنيجر وموريتانيا، واختلف حال هذه الحكومات مع الطوارق. فقد استخدمت حكومة النيجر ومالي سياسات إقصاء وعنصرية مع الطوارق، مما دفعهم للتمرد أكثر من مرة وفرض حالة من عدم الاستقرار داخل هذه البلاد، كان آخرها التمرد في شمال مالي (منطقة الأزواد) والسيطرة عليه.

والجزائر، ويشكل الطوارق نسبة كبيرة من شعبها، تعاملت معهم بسياسة إيجاد البديل ومحاولة الدمج في الحياة العامة دون أن تكون لهم قضية خاصة، ومنع ظهورهم سياسياً مطلقاً، ذلك أنهم اتخذوا بعداً أمازيغياً قد يحرض عليهم دول الجوار، أو يتسبب في تمرد الطوارق ويدعمون من دول الجوار في المغرب وموريتانيا. وكان التعامل من قبل الحكومة الجزائرية مع محاولات التمرد عنيفاً جداً، شمل فرض الأحكام العرفية وفرض عليهم التهجير قصراً من أرضهم إلى حدود مالي، والاستيلاء على ثرواتهم، أو على الثروات الموجودة بأرضهم.

ومثل هاجس الخوف من تفاقم خطر المقاتلين الإسلاميين الطوارق الذين خرجوا من الجزائر وخاصة بعد اتحادهم مع تنظيم القاعدة وإقامتهم دولة للأزواد بشمال مالي شيئاً كبيراً في صدر الحكومة الجزائرية ولذا أولت قضية الطوارق اهتماماً بالغاً للقضاء عليهم أو ترويضهم بعيداً عن خطر انتشار “الإرهاب”.

وليبيا استعملتهم في إثارة القلاقل في دول الجوار، فمرة أمدتهم بالسلاح والمال والتدريب، وتحدثت عنهم بشكل إيجابي، بل وكانت تدعوهم للرجوع إلى “وطنهم الأصلي” ليبيا، وقاتلوا في صفوف القذافي حال الثورة، ثم خرجوا من أرضه بعد انتهاء الثورة محملين بالسلاح إلى شمال مالي فأحدثوا انقلابهم.

وفي مالي والنيجر بقي الوضع متوتراً بين الطوارق والحكومات يستقر حيناً ويضطرب أحياناً.

والمحصلة: لم يتم ترويضهم أو لم يتم دمجهم في واحدة من الدول التي ينتشرون على أرضها. بل ولم تستقر أوضاعهم دون شكوى من النظام الرسمي. ولم يرض أحد ممن جاورهم عن إقامة وطن خاص بهم لا في “مالي” (الأزواد)، ولا في غير “مالي”.

2- القوى الدولية.

وهي هنا أمريكا ومعها حليفها الاستراتيجي “إسرائيل” ثم فرنسا. 

وأمريكا في أفريقيا عموماً تبحث عن نقاط للهيمنة والسيطرة لتثبيت إمبراطوريتها حول العالم، وفرنسا تتعامل بشكل خاص مع دول وسط أفريقيا (تشاد، النيجر ، مالي، بوركينا فاسو، السنغال..)، ويسمى بالحزام الفرانكفوني. ولها نفوذ كبير في هذه المنطقة.

ودول الغرب ـ ومعهم يهود ـ يجتمعون على عددٍ من الأهداف، منها:

= محاربة من يمنعهم من السيطرة والهيمنة وهو هنا الجماعات الإسلامية المسلحة.

=وأمريكا لها مشروع يتعلق بالمنطقة يعرف باسم : مشروع “خليج غينيا”، وفيه يتم تجميع البترول من دولة “جنوب السودان”، ومن الخليج العربي (ينبع الصناعية )عبر البحر الأحمر، ومن دارفور (ونسبة البترول هناك قليلة)، بخط أنابيب يمر بأرض الطوارق إلى ساحل خليج غينيا على المحيط الأطلسي، وإقامة دولة للمجاهدين من”الأزواد” ـ إحدى قبائل الطوارق ـ تعني تهديد إن لم يكن قطع ـ خط البترول، ومسألة الطاقة بالنسبة لهؤلاء (الغرب وأمريكا) مسألة لا تحتمل المساومة، فبها قوام حياتهم.

كما أنها تبحث عن الثروات ومنها البترول، ومنها اليورانيوم، وخامات أخرى كالفوسفات، وخام الحديد(موجود بدول الجوار وخاصة موريتانيا والبلنت منه خاصة).

= كما أن أمريكا تضيق على النفوذ الفرنسي في القارة الأفريقية وهو متمركز في هذه المنطقة كما مر، وبينها تنافس أيضاً في منطقة “دارفور”، وتنافس تاريخي في منطقة القرن الأفريقي، وذكراهم مريرة في أرض الصومال.

= ويهود محملين على أكتاف الغرب يأكلون من زادهم ويشربون من مائهم، عجل الله بهلاكهم جميعاً، وتزيد هدفاً آخر، وهو ما يُعرف سياسياً بـ “سياسة شد الأطراف”، أو “حلف المحيط”، وملخصها شغل الوطن العرب بقضايا بعيدة عن إسرائيل كي لا يتفرغ العرب للصراع معهم، فمنطقة الطوارق تمثل ـ بوضعها القديم ـ منطقة استنزاف للدول المجاورة وشغلٍ لها عن التفرغ ليهود، وقد شغل المغرب والجزائر بقضية الصحراء (ويسكنها أمازيغ)، فتغير الصيغة إلى مجاهدين سيسير الله ُ به الأمور فيه اتجاه معاكس لهؤلاء، يمنع الله به ما يستقوون به من خيرات، وربما يسقط هذه الأنظمة، ويغير صيغتها ويهدد البحر المتوسط وليس فقط “جنوب الصحراء”.

التدخل العسكري:

في ساحة القتال عدد من الملاحظات:

أولها: أن أمريكا تحرص على التواجد من خلال صيغ دولية مجمع عليها.وتحرص على أن لا تخوض حرباً بنفسها، بل بالأمم المتحدة، أو حرباً بالوكالة، ولهذا تنشط في تسليح الدول المعنية بالصراع مع الطوارق، وتقوم بتدريبهم.(مالي وتشاد والنيجر وموريتانيا)، وهذا نوع من التأخر، لم نكن نراه قبل عشرين عاماً حين دخلوا الصومال يفاخرون بعددهم وعتادهم. ويدعم هذا الأستنتاج (تأخر القوة الأمريكية) أن أمريكا سمحت للأوروبين ـ وهم قوة منافسة ـ بالتواجد في ليبيا وفي “مالي” اليوم، وفي سوريا؛ فلم تعد أمريكا تسيطر وحدها.

ثانيهما: لم يعاجل الغرب(أمريكا وفرنسا ومن حالفهم من الأفارقة) المجاهدين، وإنما تحرك لقتال المجاهدين بعد أن تحركوا هم لمزيدٍ من السيطرة والنفوذ، وهذا مما نستبشر به، إذ قد دخلوا حرَّها كارهين وإن شاء الله لا يصبرون ويخرجون منها مرغمين.

ثالثهما: أقصى ما يستطيعه الغرب ـ بالنظر لمتغير الجغرافيا ونوع التسليح ـ أن يسيطر على المدن، ولكنه لن يستطيع ـ بحول الله وقوته ـ أن ينهي تواجد المجاهدين في هذه المنطقة، ولا تمرد الطوارق عموماً، وخاصة أن قد انتشرت ثقافة المقاومة المسلحة، وعلم الناس أن أمريكا تهزم وممن لا يملكون أكثر من سلاح خيف تحمله الأيدي، كما في العراق والأفغان. فقد تجرأ عليها الناس وخبروا قتالها.

تطور صراع الهوية بين الغرب والإسلام:

بالنظر في خريطة الصراع الدائرة بين المسلمين والغرب، وقد بدأها الغرب في التسعينات بعد نهاية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي وندائهم بأنه صراع حضارات، وقدومهم بجيوشهم للمنطقة واحتلال أجزاء منها مباشرة (العراق والأفغان والصومال)، وفرض التبعية السياسية والاقتصادية على الأجزاء الأخرى.

وبالنظر فيما قد شبَّ واشتد على أرض المسلمين فيما يعرف “بالربيع العربي “، وتعثر المشروع الأمريكي في الصومال وافغانستان والعراق [ تعثره وتطاول الإيرانيون عليهم]، وظهور حركات جهادية في قلب أفريقيا (نيجريا مثلاً). وفوق ذلك كله الوعي السياسي بخطر الغرب على المسلمين وغير المسلمين من دول الجنوب.

أضف إلى ذلك ظهور بوادر تغيير في الصيغ الدولية قادمة من أسيا في هيئة “تكتلات اقتصادية” يرشح أن تتبنى أهدافاً سياسية، وتستعمل أدوات عسكرية في فرض نفوذها وطرد نفوذ الأمريكان.وهو واضح من نمو النشاط الثقافي لهؤلاء الأسيويون، بما يشير بوضوح أنهم يدرسون المجتمع. وغير ذلك من متابعة صيغ “المنظمات الأهلية” وتوابع العولمة الثقافية؛ وكذا فشل الصيغ العربية.. الكلية منها [جامعة الدول العربية]، أو الجهوية المحدودة [ مجلس التعاون الخليجي ، والعربي ، والمغاربي]، وما دون ذلك. 

فإننا نستطيع أن نقول أن قضية الصراع الآن هي بين هويتين… أو نوعين من النظم: نظم قديمة، ونظم جديدة . أو أفكار تشكلت في هيئة نظم تدافع عن نفسها، وأفكار (إسلامية في الغالب)تبحث عن نظمٍ .. أو صيغٍ دولية تعبر فيها عن نفسها.

وأدوات الصراع لم تعد كلها في يد “الغرب”، فقد ظهر للمستضعفين في الأرض ما يستطيعون استعماله دفعاً عن أنفسهم، أو في طلب ما يحبون، من وسائل إعلامية، وقتالية.

والمحصلة النهائية: أن الدائرة تدور على النظم القديمة، وأن العالم قادم على إعادة تشكيل في الصيغ الدولية للكيانات الإنسانية. وستظهر الهوية الإسلامية ممتدة على تلك البقعة التي امتدت عليها بالأمس،ويرحل المستعمر كلية عن أفريقيا المسلمة بعد أن أكل خيرها وأهاننا بالتعدي على إخواننا في أرضها، وعن الشام، والخليج… كل الخليج، وأفغانستان، ثم يكون الصراع مع ذوات الوجوه البيض العراض (كوريا والصين…)، وما “الأزواد” إلا إحدى المشاهد على مسرح الأحداث.

-- محمد جلال القصاص

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*