الجمعة , 9 ديسمبر 2016

الذِّكر والسؤال

يُعَد الجانب النفسي من أكثر جوانب الشخصية تعقيداً، وأكثرها غموضاً، فهو جانب يستحيل السيطرة عليه، والتحكم في نزعاته والتنبؤ بها، لأنّ هذا الجانب في الشخصية كثير التغير، ومرتبط بالأنا التي لا تشبع أبداً، والأنا تتطلّع دائماً إلى الأضواء، وإلى أن تكون حاضرة في محيطها الاجتماعي، تطرب وتفرح عندما تردد الألسن ذكرها، وتراها الأعين في كل مكان وآن، لهذا يُعَد الجانب النفسي في الشخصية من أصعب جوانبها، نظراً لغموضه، ولتعذُّر ملاحقة متطلّباته، وتلاحق متغيراته. 

وخصائص هذا الجانب بالصفة المشار إليها متواترة في كل الثقافات، وعند كل الشعوب، فكل بني البشر يسعون جاهدين وبإصرار من أجل تحقيق المنزلة الرفيعة التي تضمن لهم إشباع المتطلّبات النفسية غير المتناهية، ويأتي الصيت في مقدمة هذه المتطلّبات، فالنفس تطرب عندما يتبيّن لها أنها معروفة في الوسط الاجتماعي، وأن صيتها يتردد في المجالس والمنتديات، تهوى ذلك وتسعد به، ولا تدخر وسعاً في استخدام أي بارقة نجاح كي تستغلها في الدعاية لإعلاء صيت الذات، على الرغم من أن صناعة النجاحات تمت بأيدي الآخرين، وليس ليد اللاهث وراء الصيت أي جهد في صناعة النجاحات التي يتشدّق بها. 

لا بأس من التسليم بأنّ سعي الشخص في إشباع رغبته الجامحة في حب ذاته وإعلاء شأنها، وترسيخ صيتها في أذهان الآخرين، على اعتبار أن هذا السعي سمة بشرية متواترة متوقعة عند كل بني البشر، لكن الذي لا يمكن التسليم به وقبوله، مهما كانت درجة حب الذات ونرجسيتها، أن يكون سعي الشخص في إعلاء ذاته وتوسيع دائرة صيتها على حساب المبادئ والنظم والتشريعات والقيم الأخلاقية وغيرها، مما يضبط سلوكات الناس ويوجه حركتها داخل الأطر القانونية والنظامية المسموح بها في المحيط الاجتماعي الذي تعيش فيه الذات المتطلعة للأضواء، وأي سعي خارج هذه الأطر يُعَد تعدياً وتجاوزاً سوف يفضي حتماً إلى مفاسد ومخاطر تلحق الضرر بمصالح البنية المجتمعية واستقرارها. 

قد تبدو معادلة في منتهى الصعوبة والحساسية، أعني الجمع بين إشباع صيت الذات وإعلاء شأنها مجتمعياً، والالتزام بالأطر القانونية والنظامية للمجتمع و مؤسساته، لكنها معادلة ليست مستحلية، بل هي ممكنة متى ما صلحت النية، وعقد العزم على مراعاة المصالح العامة والإخلاص فيها ولها، واستشعار مسؤوليات العمل وواجباته، ومقتضيات الأمانة الموجبة للأداء بأعلى مستوياته الممكنة، وما سوف يترتب على الإخفاق المتعمّد أو الناتج عن التساهل والإهمال من عقوبات مادية أو معنوبة. 

يروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل عمر بن الخطاب، مقولة: (إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، الناس مختلفون في درجة إيمانهم، ومن هذا المنطلق، يمتنع قوي الإيمان من اقتراف المحارم، طاعة لله، وامتثالاً لأوامر القرآن ونواهيه، بينما ضعيف الإيمان، لا تؤثر فيه زواجر القرآن ولا نواهيه، لهذا نحى جانباً مخافة الله، ولغلبة ضعف إيمانه، فهو على استعداد تام للتعدِّي واقتراف المحارم، لكنه يمتنع عن ذلك خوفاً من سطوة السلطان أكثر من خوفه من سطوة القرآن وزواجره ونواهيه. 

من هنا تتجلّى أهمية السلطة والسطوة في حفظ التوازن بين شهوة النفس في إعلاء ذكرها، وبين أطر القوانين والأنظمة، ولن تتمكن السلطة من حفظ التوازن إلا بالمساءلة والمحاسبة، فلو أنّ كل طالب سمعة ومنزلة وصيت، استشعر أنه سوف يساءل عن كل ما يقترفه من باطل، لتردّد ألف مرة ومرة قبل أن يقدم على الفعل المحرّم. 

إنّ مما يعزّز هذا الاستشعار لدى ذوي النفوس الأمّارة بالسوء، أو المتخاذلة عن العمل الصالح، تأمّل هذه الآية الكريمة قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} الآية 44 سورة الزخرف. 

assahm@maktoob.com 

—————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الله المعيلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*