الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حرب مالي هل هي صليبية؟

حرب مالي هل هي صليبية؟

حملة فرنسا العسكرية ضد القبائل العربية في شمال مالي غير مفهومة، خصوصا وأنهم لا يتجاوزون في أحسن الأحوال عشرة آلاف نفس، ولن يقبل عاقل تبرير الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وقوله بأنها تمت لحماية الرعايا الفرنسيين من المتشددين أو الإرهابيين، خصوصا مع وجود شركات فرنسية وتاريخ استعماري.

وقرار الحرب اتخذته فرنسا لوحدها ولم تشاور فيه أحدا، أو هكذا يبدو، وهو تصرف مستغرب من دولة تنافح عن حقوق الإنسان في كل مكان، وقبل هذا تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، والمفاجأة أن فرنسا طلبت من دول الخليج تحمل نفقات الحرب لأنها ضد الإرهاب، والمفروض توجيه الطلب لجيران مالي قبل غيرهم أو لمن له مصلحة مباشرة بما يحدث، ولا أتصور أن مجلس التعاون الخليجي سيقبل بالمشاركة في تمويل الحرب مهما كانت الأسباب.

فكرة الحرب ضد الإرهاب استهلكت تماما، حتى أن العبارة نفسها ومن كثرة الاستخدام فقدت معناها القديم والمؤثر، وإلا كيف نفسر تحرك الإعلام الغربي والمنظمات الدولية والحقوقية وباسم حقوق الإنسان في قضية تطبيق الحد الشرعي على العاملة السيرلانكية في المملكة، رغم أنها قتلت طفلا لم يتجاوز عمره أربعة أشهر وكأن الطفل العربي ليس له حقوق، والدول الغربية سكتت ولم توضح موقفها ويجوز أنها باركت الحرب بدون إعلان ومن تحت الطاولة، وما ذكر لا يلغي تهديد جماعات الإسلام السياسي وخطورتها عربيا وغربيا، ولكن إرهاب الدولة يمارس يوميا في سوريا، وقد ذهب ضحيته أكثر من ستين ألف شخص، ولم تجرؤ دولة غربية على التدخل عسكريا.

الفرنسيون أذكياء ويفهمون قواعد اللعبة وربما ساعدتهم الظروف، فقد قام مجموعة من المتشددين باحتجاز رهائن في حقل غاز جزائري، وقيل بأن ما قاموا به جاء كردة فعل على الحملة الفرنسية ضد مالي انطلاقا من الحدود الجزائرية، والسيناريو مقبول قياسا على السوابق والاختلاف أن الإرهابيين في العادة يفجرون ويقتلون، وبعدها يعلنون وباعتزاز مسؤوليتهم عن ما وقع.

وأختار رأس من خططوا للعملية أسلوبا جديدا، وقال بأن مجموعته قتلت 35 رهينة من جنسيات مختلفة، والأرقام تزيد وتنقص من مصدر لآخر، والنتيجة أن أزمة الرهائن انتهت وتم تحرير 16 رهينة وأيضا حقل الغاز بلا خسائر مادية، وأكدت المصادر الرسمية في الجزائر، السابعة في ترتيب دول النفط العربية، بأنها قتلت أحد عشر مسلحا بعدما قتلوا سبعة رهائن إضافيين من جنسيات أمريكية وبلجيكية ويابانية وبريطانية، ويظهر في التفاصيل إصرار فرنسا على إشراك الجميع في معاناتها الخاصة والخطأ وارد. 

بالتأكيد مالي مهمة اقتصاديا لفرنسا وروسيا والصين، وفيها نصف الإنتاج العالمي من الذهب وثلث اليورانيوم المستخدم في تشغيل معامل فرنسا النووية، وروسيا والصين رفعت الفيتو لمواجهة التدخل العسكري في سوريا، والمعادلة الأخيرة سياسية ولا علاقة لها بالاقتصاد وحساباته، لأن المهم في سوريا هو موقعها الجغرافي والدول المجاورة لها.

وهذه المسألة تقبل التأجيل والحلول المعلبة ما دامت أمور الجيران مستقرة، ولعب الاقتصاد دورا أساسيا في حرب العراق سنة 2003 وفي تدخل حزب الناتو في ليبيا القذافي، وكلاهما من الدول العربية النفطية، فالعراق يأتي في المرتبة الثانية بعد المملكة وليبيا في المرتبة الخامسة، وما قتل في فلسطين نتيجة الاحتلال لا يقارن أبدا بالرقم المستهدف في الحملة الفرنسية، ولم يتغير حال الفلسطينيين منذ عقود أو يتطوع أحد لمساعدتهم عسكريا، وشماعة حقوق الإنسان والإرهاب لا تحضر أو يتم التلويح بها، غالبا، إلا إذا تقاطعت مع مصالح الدول الغربية.

ولا بد أن ندرك بأن السياسة في هذه الدول تتحكم فيها وتديرها شركات عابرة للقارات وأسماء موالية لها في دول العالم، والنصر الانتخابي لأي قيادة سياسية غربية يربط، أحيانا، بحجم الدعم الذي يحصل عليه الاسم المرشح من هؤلاء، وبالترسانة الإعلامية المسخرة لخدمة أهدافهم، ولا أعتقد أن الحرب في مالي صليبية مثلما يرجح البعض والصحيح أنها اقتصادية بامتياز، وفي رأيي الشخصي، الضمير العالمي يشبه جدا وظيفة سمسار الأراضي، ومهمته التوفيق بين البائع والمشتري بالحلال وقبض العمولة. 

binsaudb@ yahoo.com

——————-

نقلاً عن عكاظ 

-- بدر بن سعود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*