السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الغرب وارتباطنا الحضاري

الغرب وارتباطنا الحضاري

قدر الله أن نعيش في هذا الوقت الذي كان فيه “الغرب” هو المهيمن العالمي على مفاصل السياسة والثقافة والإعلام، وهي دورة حضارية عامة، يداولها الله تعالى بين الناس، ويكشف الله لنا السنن التي من خلالها يتم التمكين في الأرض “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، وهذا التفوق الحضاري ليس خاصاً بأمة دون أمة، ولا بقوم دون قوم.. هو فعل استكشافي كبير للسنن الكونية والشرعية، وإعمال للعقل الذي هو كرامة الله لبني آدم، وسعي وجد في الأرض لتحقيق الأهداف، ولذا فالتفوق الحضاري والمدني لا يعني التفوق القيمي بإطلاق، بل يعني انكشاف سنن “القوة” المادية التي يهيمن فيها القوي على الضعيف.

لن ننفك في القريب العاجل من الغرب واستراتيجية مصالحه ومصالحنا، ولن نتمكن من العيش في معزل عن العالم بتفاصيله وقيمه وعقائده الجديدة، والمسافة بيننا وبين هذا طويلة وشاقة تحتاج إلى بناء معرفي وكد علمي وجهد مضاعف واحترام للعقول وإرجاع لقيمة المنهج العلمي، وبناء الإنسان الباني للحضارة والرقي والمدنية.

هذا الواقع يحتاج منا في سبيل النهوض إلى حركة ” استكشاف ” للغرب، من خلال معرفة مكوناته الثقافية والسياسة والاجتماعية والعلمية، حتى نسلم من نزعة ” التعميم ” التي تشوش على الصورة، وتبعدنا عن “الحكمة” التي هي ضالتنا في تلمس المنهج الصحيح في التعامل مع الآخرين، وكيف التأثير عليه من داخله لنصرة قضايانا، ورد العاديات التي تمارسها “اللوبيات” الغربية للتأثير على صورتنا في الإعلام والمجتمع الغربي، الأمر الذي أدركه “الصهاينة” في وقت مبكر، فاستطاعوا تجيير حضارة الغرب لخدمة مصالحهم الثقافية والسياسية، وقد تأخر المسلمون كثيراً في إدراك المنهج القويم في التعامل مع الحضارة المعاصرة.

لقد أسهمت حركة “الاستشراق” الطويلة التي فعلتها أوروبا والغرب للعالم الإسلامي في فهمهم لأوضاعنا أكثر من أنفسنا، ومن ثم استطاعوا أن يخترقوا الوعي الاجتماعي والتأثير الفكري، الأمر الذي مهد لعصر الاستعمار العسكري، ثم الاستعمار الفكري، ونجحوا في ذلك بسبب الكشف العلمي، والجهد المعرفي الذي بذلوه حتى يحققوا أهدافهم في المنطقة.

لسنا بصدد التخطيط لفعل ما فعلوه، ولا يمكننا، ولكن علينا أن نعرفهم لنعرف كيف نتعامل معهم بناء على طبيعة عقولهم ومفاهيمهم وطريقتهم في التفكير، وهذا لا يتم إلا من خلال برامج كبيرة يقوم فيها الرسمي والأهلي وتعزيز دور المؤسسات العلمية والبحثية لهذا الأمر، فتجربة الحادي عشر من سبتمبر أعطتنا درساً قاسياً، كيف اكتشفنا أننا لا نعرف كيف نواجه الحملات، ولا كيف نحسن صورتنا الذهنية عند الغرب، ولا معرفة المكونات التي يمكن أن تدعمنا في مشروعنا الإعلامي، مع أن هذا يمكن بشكل كبير لمن يعرف طبيعة التركيبة الثقافية والمؤسساتية، وتوجهاته الفكرية وطبيعته السياسية والقانونية.

لن ينجح هذا المشروع إلا بإعادة الاعتبار للعلم والمعرفة، والإنفاق السخي على المراكز التي تقوم بهذا الجهد، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني للمساهمة في الهم المشترك، فإن أكمل الحق عند الله تعالى يعرف سبيل المؤمنين على سبيل التفصيل وسبيل غيرهم على سبيل التفصيل (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين).

—————-

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*