الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المستور والمنظور في الربيع العربي

المستور والمنظور في الربيع العربي

في اطار نشاطات المجلس الوطني للآداب والثقافة، تم تنظيم ندوة تتمحور حول الربيع العربي، بكل جوانبه، مسبباته، نتائجه، اسقاطاته على الجوار ومستقبله.. الى آخر قائمة التبدلات والتحولات، وكان نصيبي من هذا الماراثون الكلامي، ترأس الجلسة النهائية عن دول الجوار والربيع العربي.

بالعربي البسيط كيف تعاملت دول الجوار مع هذا الربيع العربي الذي بدل عناوين الحكم، وأزال شخصيات واستبدل بها وجوها مختلفة تجلس على نفس الكرسي القديم وبنفس العنوان، لكن بأسماء مختلفة.

ذهب حسني وجاء مرسي، واختفى القذافي وبرز القريف، وطار بن علي وحل الجبالي، وتدور رحى الحياة ويبقى أهل الكلمة والفكر يتابعون في مسببات التغيير ويتفحصون مبررات الزلزال الذي هز كيانات طارت بسرعة البرق بينما بقى آخرون يناطحون التاريخ كما نرى في واقع سورية الآن.

المهم جلست على كرسي رئاسة الندوة، أتفحص الوجوه الملتفة حول طاولة بيضاوية بعدد معقول لا يزيد على خمسين بأسماء معروفة، فيها العقيم القديم، وفيها الحالم الدائم، وفيها العابس المكسور، وفيها الغاضب الناعم، والعاقل الآمل..

يتحدث في تلك الندوة كل من يريد وبكل ما يريد، في مداخلات دائما تحمل شيئا ما، في مناجاة مع المستقبل، لا يوجد فيها آسف على الماضي، وليس فيها من يترحم على زمن كنا نعيشه ونروي حكايته، خاصة مع الرئيس المصري حسني مبارك الذي كان لصيقا بأهل الخليج.

نعود الى تلك القاعة التي ضمت عددا من جنسيات عربية، وقليلا من الكويتيين، أعرف بعض المشاركين منذ زمن قديم، وبعضهم قرأت له الكثير، والبعض الآخر جاء مع ثمار التغيير والتطوير.

كان الموضوع الذي أشغلنا [دول الجوار والربيع العربي] وكانت المهمة أمام المشاركين هي تشخيص سلوكيات هذه الدول المجاورة، كان الدكتور أرشاد هورموزلو، متحدثا عن المسار التركي وتجربة تركيا الديموقراطية وحكم القانون، وتقليص الجناح العسكري والحد من نفوذه ولم يتجاهل مشاعر الأسف على شنق عدنان مندريس رئيس الوزراء ووزير خارجيته عثمان أوغلو في بداية الستينيات، ولم ينس تذكير الحاضرين بالأسلوب الفج الذي يحيط بالرئيس السابق حسني مبارك، ويؤنب الحضور لاستعجالهم ثمار الديموقراطية، ويعرج على افتقار العرب لسعة الصدر وتقدير الرأي الآخر وللتسامح الديموقراطي.

واستمعنا الى د.محمد ربيع الحالم بالوحدة، والقاطن في واشنطن، مستثمرا أجواءها الرحبة في حرية الرأي، فيضيف الكثير الى أدبياته السابقة في الهجوم العنيف على سياسة الولايات المتحدة، وربط مآسي العالم والبشرية بها.

كانت الاسئلة هي: ماذا تريد ايران الثورة من الربيع العربي، وماذا تريد تركيا العلمانية من هذا الربيع؟.

كان هذا موضوع الندوة، وكانت المناقشات رصينة ومسؤولة، هناك أربع ملاحظات لابد من رصدها في سلوكيات دول الجوار تجاه الربيع العربي.

أولا – هذا السباق المحموم من دول الجوار لبناء علاقات حميمية لاسيما من ايران تجاه مصر وتونس وليبيا وسورية، ويتمثل هذا السباق الايراني في زيارات استرضائية وبروتوكولات تطمينية عن عفة الثورة الايرانية التي لا تريد ان تأخذ من هذه المجتمعات ما لا تستحق وترغب في دعمها وتأمين نجاحها.

نلاحظ أن ايران تسير في دعمها لسورية ضد الخيارات الوطنية التي تريد نهاية حكم الاستبداد، لكنها تأخذ منحى آخر في مصر حيث تسعى لبناء ائتلاف ايراني– مصري – اخواني ضد ما تسميه الامبريالية العالمية لاسيما أمريكا.

ايران تخوض حملة تبشيرية اسلامية شيعية ثورية داخل هذه الدول من أجل بناء قواعد سياسية مناصرة لها وتعمل على تلقيح الثوارات العربية بالمادة الثورية الايرانية، نراها نشطة في السودان وفي دول شمال أفريقيا وفي لبنان وسورية والعراق، وتعتقد بأن الدبلوماسية الايرانية الناعمة مع هذه الدول تخلق لها تأثيرات ايجابية تكسب منها ايران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وفي مساعيها للتسلل الى دول مجلس التعاون.

ثانيا– تتصادم الدبلوماسية التركية مع المواقف الايرانية في مساعيها للتأثير في الربيع العربي، فاذا كانت تركيا تعمل على نهاية نظام سورية وتحويله الى نظام مقبول شعبيا وعالميا، فان الهدف الايراني حماية النظام وتقديم التضحيات له.

وكلا الطرفين التركي والايراني يعملان على اخراج هيكلة اقليمية جديدة تتعاضد مع رغبات كل منهما.

ثالثا- لا يخفي كل من ايران وتركيا والاتحاد الأوروبي القلق من احتمالات بروز تجمعات أو تكتلات سياسية ودينية تكون مؤثرة في البناء النهائي لشكل الاقليم سواء في الشرق الأوسط أو في حوض الشام أو شمال أفريقيا.

فمهما كانت الحصيلة النهائية لواقع الربيع العربي، فان هناك حقائق لا يمكن انكارها بدلت خريطة المنطقة، وأذكر البعض منها معتمدا على ثقلها في عملية التغيير:

أولا– ارتفاع جاذبية الدولة المدنية المنفتحة والرحبة التي تقوم على الاختيار الحر للمجتمعات، وتتبنى النهج الديموقراطي البرلماني وتدعو الى التصاق الدول العربية بشكل عام مع القيم الكونية في حقوق الانسان ودور المرأة وفي ضرورات الحرية والتحاور مع الحضارات الأخرى، والاستفادة من تجاربها.

ثانيا– التأكيد على حكم الدساتير وتعميق دور مؤسسات الحكم، واستقلال القضاء، وتأكيد حرية القول والتعبير وتبني الشفافية والمحاسبة والتداولية في انظمة الحكم والسعي نحو الحكم الراشد، مع التصميم على محاربة الفساد.

ثالثا– انحسار التوهج الذي احتكره العسكريون مع نهاية عصر ادارة الجيوش للحكم المدني مع التأكيد على فشل الايديولوجيات سياسيا واقتصاديا، والدفع نحو بناء هيكلة الدولة المدنية.

رابعا– أولوية الملفات في الدولة المعاصرة هي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وتلاشي نزعة الدبلوماسية المغامرة التي اتبعتها الأنظمة العسكرية، لاسميا في مصر وسورية والعراق، مع تعظيم الترابط مع المجتمعات العالمية وفق القواعد السائدة بين الدول دون ممارسة الابتزاز وادعاءات حق القيادة والتميز.

خامسا– بروز الشفافية في العمل الدبلوماسي وفي الادارة الداخلية، مع انفتاح كامل على تاريخ الشعوب كما سجلتها الأحداث دون تدخل من قبل أصابع الضباط في عمليات التشويه، فلا توجد محظورات وممنوعات في كشوفات التاريخ.

كم سوري يعرف عن محاولات حسني الزعيم رئيس الدولة السورية في مسعاه لعقد اتفاقية سلام مع اسرائيل في عام 1949، ورفض بن جوريون رئيس وزراء اسرائيل ذلك العرض لأن حسني الزعيم كان يريد الاحتفاظ بشريط احتفظت به القوات السورية، وكم من أهل مصر يعرف عن الدور الأمريكي في سحب القوات الاسرائيلية من العريش عام 1949، والدور الأمريكي في سحبها مرة أخرى من كل سيناء عام 1956، ودور أمريكا في تأمين الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي المصرية عام 1978.

خنق الأحداث، وبناء الممنوعات وتقييد المسموحات، كانت استراتيجية لتجهيل الشعب في تاريخه مع شيطنة الخصوم مهما كانت نواياهم، فنقرأ عن الملك التافه «فاروق» وكأنه آفة شيطانية في تاريخ مصر، كل ذلك بسبب الخوف من الشفافية السياسية التاريخية، وعن آخرين لطخت سمعتهم من أجل تحقيق مكاسب سياسية على حساب حقائق التاريخ.

وأعتقد من حق شعوب مصر وسورية والعراق وليبيا ان تفتح الملفات السرية عن أحداث هذه الدول لكي تقرأ الشعوب حقائق تاريخها.

هل معقول ان يحكم واحد مثل القذافي بجهله وأميته ليبيا لمدة أربعين سنة، ما هي القوى التي ساندته؟ وما هو دور الجوار في أحداث ليبيا؟ وكيف تقع مصر في مغامرة 1967 وينتهي الوهج الثوري المصري في ساعات.

من المؤكد أن الرئيس مرسي رئيس مصر حاليا لن يتمكن، حتى لو رغب، من تكميم أفواه المصريين ولن يستطع ان يشوه تاريخهم ويعطيهم ما يرضيه ويخفي عنهم ما لا يرضيه كما فعل من سبقه من ثوار مصر.

والربيع العربي هو صوت الشعب الساخط على حكام بلا شرعية تاريخية، وبلا شرعية دستورية، وبلا انجاز باهر، مع سجل مؤلم من الانكسارات والهزائم.

كانت ندوات المجلس الوطني حول الربيع العربي، دعوة سخية لتعرية العاجزين، وكان مناخ الحرية الكويتية الواسعة موقع اعجاب من المشاركين الذين تحدثوا بكل وضوح عن ملفات أوطانهم بصورة فريدة لم تعتد عليها الندوات، مع تقدير للجهود التي بذلها المنظمون والجنود المجهولون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب..

——————-

*رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الأسبق

—————–=========

نقلاً عن صحيفة الوطن الكويتية

-- * عبدالله بشارة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*