الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » فتاوى التطرف تعود من جديد في المغرب

فتاوى التطرف تعود من جديد في المغرب

عادت فتاوى تكفير الحكام إلى الذيوع والانتشار على ألسنة شيوخ السلفية الجهادية الذين خرجوا بعفو من الملك /الحاكم الذي استجاب لنداء الهيئات الحقوقية فعفا عن هؤلاء بعد أن أبدوا استعدادهم لمراجعة أفكارهم التكفيرية في حق الدولة والمجتمع والنظام الحاكم . بل أعربوا ، يوم كانوا في السجن ، عن قبولهم بثوابت الشعب المغربي . 

ولم تكد تمر مدة يسيرة على سراحهم حتى عاد الشيوخ إلى سابق عهدهم بالتكفير والتحريض ضد الحكام ، لا لشيء سوى أن هؤلاء ــ الحكام ــ لبوا نداء الشعب المالي المسلم وحكومته لتقديم العون والنصرة له ضد مغتصبي حريته وممزقي وحدته الترابية والمجتمعية ومدمري تراثه الثقافي  . فحين شنت قوات الناتو هجماتها ضد نظام القذافي صفق الجهاديون وانخرطوا في “الجهاد” الذي قادته فرنسا وأمريكا ضد العقيد ؛ ولم يكن ذاك غزوا صليبيا لبلد مسلم رغم أن القذافي حاول استغلال نفس الخلفية العقدية للتجييش ضد الهجوم الغربي على نظامه. 

فالذين يوفرون كل الظروف والشروط “للغزو” الصليبي لبلاد المسلمين والتواجد العسكري على ترابهم هم هؤلاء الشيوخ بفتاواهم التكفيرية ؛ فحيثما وُجد المتطرفون إلا وفرضوا على دول العالم التدخل لإنقاذ شعوب مسلمة من قبضة الإرهابيين . وقع هذا في أفغانستان واليمن والصومال ويقع اليوم في مالي . 

لم تكن مالي مدرجة ، في يوم من الأيام ، لأن تدْخلها الجيوش الأجنبية لولا الوضع الخطير الذي خلقه الإرهابيون الموالون لتنظيم القاعدة عبر تقتيل الأبرياء وتشريد الآمنين وتدمير  المساجد والأضرحة والقبور . بهذه الممارسات الإجرامية في حق الإنسان ، حيا كان أو ميتا ، فرضت التنظيمات الإرهابية على المنتظم الدولي للتدخل لنجدة الشعب المالي من الممارسات الإجرامية والتخريبية التي يمارسها لمتطرفون باسم الدين . 

فحيثما وُجد المتطرفون سيكون التدخل “الصليبي” . وهذا دليل قاطع على أن تنظيم القاعدة الذي صنعته أمريكا والغرب لخدمة أهداف معينة وهي طرد السوفيتيين من أفغانستان ، لازال وفيا للأهداف المرسومة له وقد انخرط في خدم الأجندة الأمريكية والغربية لتوفير الأسباب المسوغة للوجود العسكري الأجنبي في بلاد المسلمين.

فالمتطرفون يخلقون كل الشروط والظروف التي تستوجب ، وفق الشرعية الدولية ، التدخل العسكري الأجنبي . ومن ثم ،فالذين يخدمون الغرب “الصليبي” ليس الحكام وليس الشعوب ، إنما هم المتطرفون والإرهابيون الذين يتجاهلون أنهم أداة استعمارية بامتياز . ذلك أن الاستعمار التقليدي كان يحتل البلدان الإسلامية قهرا ودون رغبة من أهلها وحكامها . 

فكان استعمارا صريحا لكنه محارَب ومبغوض .أما اليوم ، فإن التنظيمات المتطرفة وفرت أكثر من غطاء ومسوغ ليقع التدخل العسكري في بلدان عربية وإسلامية برغبة من شعوبها وحكامها لحمايتهم من الإرهاب والتطرف . 

فهو تدخل عسكري مرحب به وغير مرفوض أو مبغوض .ويجدر التذكير هنا  بأن الدول التي تقود “الغزو الصليبي” هي نفسها المأوى الآمن لشيوخ الإرهاب والتطرف ، توفر لهم الحماية من عدالة دولهم التي تلاحقهم بسبب جرائم  ارتكبوها أو حرضوا عليها . فكيف لهم أن يقبلوا حمايته ويحرّموها على الشعوب الإسلامية ؟

فالحماية هي نفسها كانت لأفراد أو لشعوب . كثير هم شيوخ القتل وسفك الدماء يحتمون بالغرب وينعمون بأمنه وخيراته خوفا من سجون بلادهم ومما يعتبرونه “ظلم” الحكام و”بطشهم” دون أن يجدوا في هذا عضاضة وحرجا ، ودون أن يفتوا بأن الاحتماء بالغرب “الصليبي” من الحاكم المسلم كفر وردّة وفسوق . 

لكن حين يتعلق الأمر بشعوب مسلمة أذاقها المتطرفون كل صنوف القهر والتقتيل والتعذيب ، ولم تجد لها من منقذ سوى القوى الغربية لما تملكه من ترسانة عسكرية ، يحكم عليها المتطرفون أنها وحكامها مرتدون وكفار لأنهم استعانوا بكافر .

إن فتاوى التكفير التي أصدرها شيوخ التطرف المعفى عنهم أو من لم تطلهم يد العدالة ، تطرح من جديد إشكالية التسيب والفوضى التي يعيشها الحقل الديني . 

كما تكشف هذه الفتاوى ولاء الشيوخ للتنظيمات الإرهابية ودعمهم لها وما بدلوا من عقائدهم التكفيرية تبديلا . واستحضارا لخطورة فتاوى الشيوخ المتعلقة بتكفير الحاكم الذي فتح أجواء بلاده للطائرات الفرنسية أو شارك في الحرب على الإرهاب بشمال مالي ، يقتضي الأمر مساءلة المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والرابطة المحمدية لعلماء المغرب عن الصمت المريب إزاء فتوى تكفر الحاكم وتحرّض ضده ؛ وفي هذا مس خطير وتهديد مباشر ليس فقط للأمن الروحي للمغاربة ، بل لأمنهم العام  لما تشرعنه من قتل للأبرياء وإشاعة للفوضى واللاستقرار في عموم الوطن . من هنا على المجلس العلمي الأعلى أن يخرج عن صمته ويتصدى لهذه الفتاوى ببيان عورها وانحرافها مثلما فعل مع فتوى المغراوي حين أجاز تزويج بنت التسع سنين . 

فأمن الوطن مسئولية وأمانة لا ينبغي التخاذل إزاء حمايتها وصيانتها من عبث العابثين . ولا فرق ، من حيث الجرم ،  بين من يناصر الإرهاب في شمال مالي بالنفس وبين من يناصره باللسان ؛ ولعل المناصرة باللسان أخطر من المناصر بالنفس ،لأن هذه الأخيرة هي ثمرة  الأولى . 

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*