الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » فرنسا في مالي: ماذا لو أدت الحرب ضد الصوملة إلى رواج الأفغنة؟

فرنسا في مالي: ماذا لو أدت الحرب ضد الصوملة إلى رواج الأفغنة؟

وحده المبضع الفرنسي أقنع الأفارقة أخيراً بجدية العالم للتعامل مع الورم المالي.

تحركت الطائراتُ الفرنسية لتعلن بداية حربٍ في مالي لا نعرفُ متى نهايتها وإلى ماذا ستؤول. هكذا تحركت قبل سنوات الآلةُ العسكرية لحلف الناتو بقيادة واشنطن فضربت في افغانستان وفي العراق لتُغرق البلدان في فوضى سرطانية أصابت الأفغان كما العراقيين. بعدها اعترف الأطلسيون بفشلٍ وتحروا سُبل الخروج.

الرواية الباريسية الرسمية تتحدث عن دعم لوجيستي لحكومة مالي، وعن تدخل عسكري جوي لصالح قوات باماكو، وعن تواجد بري لرفد العمليات الجوية (تحول إلى حرب برية)، وعن عملية محدودة في مدتها بانتظار تدخل قوات أفريقية. والهدف: مساعدة الماليين على إبعاد “القاعدة” والإسلاميين الجهاديين عن عاصمة بلادهم، والسعي إلى طردهم، إذا أمكن، إلى خارج الحدود (لاحظ تطور الأهداف المعلنة مع تطور المعارك ميدانياً).

ولكن لماذا هرعت باريس الى التدخل بشكل سريع؟ ولماذا لم تنتظر فرنسا التدخل العسكري الموعود للدول الافريقية؟ الحججُ الميدانية تحدثت عن تقدم خطير للإسلاميين نحو العاصمة باماكو على نحو يهددُ بإنهاء دولة مالي وتحويلها الى أرض من الفوضى لا تماثلها إلا تلك في الصومال. جيش مالي يعاني من ضعف هيكلي تاريخي، ومن تضعضع بنيوي منذ انقلاب الكابتن سانوغو (آذار / مارس الماضي)، وهو غير قادر على الصمود أمام ضربات الجهاديين القادمين من كل حدب وصوب، من الداخل ومن وراء الحدود، والذين يسعون الى التعجيل في فرض أمر واقع ميداني وراء غبار ما يُعد من تحضيرات لإرسال قوات افريقية.

تتحركُ فرنسا رسمياً بناء على طلب من حكومة مالي ودول أفريقية أخرى. هكذا شرح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قراره. تستندُ باريس في خيارها على قرار سابق صادر عن مجلس الأمن بشأن الوضع في مالي (القرار رقم 2085 الصادر في الشهر الماضي). وتبادرُ فرنسا من خلال تدخلها هذا “لمنع نشوء دولة إرهابية على أبواب أوروبا”. هكذا يلخص وزير الدفاع الفرنسي أيضاً حوافز حكومة بلاده. وفي التفسير ما يشي أن فرنسا تتحرك بالنيابة عن دول الاتحاد الاوروبي (والعالم)، بحيث يأتي دعم مجلس الامن الدولي ليضاف إلى الدعم اللوجيستي والمخابراتي المعلن من دول أوروبية (رغم تحذير عسكريي لندن حكومتهم من التورط في مالي) ودعم الولايات المتحدة، وليلتقي مع الدعم الخليجي العربي الذي كشف وزير خارجية باريس عنه، على نحو يؤكد على التوافق الدولي العام على الأداء الفرنسي.

فرنسا تتولى حسم الامور عسكريا كونها تمثل تاريخا من العلاقات مع هذه المنطقة منذ زمن الحقبة الاستعمارية، ولكونها تمتلك مصالح اقتصادية حيوية في غرب أفريقيا، لاسيما تلك الأكثر إستراتيجية في النيجر، حيث تدير شركة Areva الفرنسية مناجم يورانيوم تزوّد المفاعلات النووية الفرنسية المولّدة للكهرباء بثلث حاجاتها. وفرنسا تتولى “أمر مالي” بالنيابة عن المجتمع الدولي كونها الوحيدة التي تمتلك، من بين الدول الكبرى، قواعد وتشكيلات عسكرية في المنطقة جاهزة لتدخل عاجل وسريع.

لكن التحركَ العسكري الأفريقي – الدولي في مالي لم يكن وليدَ ساعة فرنسية. حالُ شمال البلاد أمرٌ غير مقبول ولا يمكن تحمّله، ليس من قبل النظام في باماكو فقط، بل من قبل دول الجوار والمجتمع الدولي. فاستتباب الأمر للجهاديين سيؤسس لقاعدة كبرى لتنظيم القاعدة وأخواته على نحو يهددُ أمن أفريقيا والأمن الدولي على حدٍّ سواء. الصراع تجاوز المطالبة بإنشاء كيانٍ أزوادي مستقل لطالما طمحت إليه تيارات الطوارق، وساد الميدان حركات جهادية أطاحت بالحركات الأزوادية المحلية واعتمدت على المجاهدين المستوردين من خارج الحدود لتغيير شروط اللعبة الاقليمية والدولية.

وتاريخ الصراع يعود إلى أكثر من تسعة أشهر حين استولى الطوارق بقيادة “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” الانفصالية على شمال البلاد بالتحالف مع “جماعة أنصار الدين” الإسلامية. الطوارق استفادوا حينها من فوضى الحرب في ليبيا، فعادوا إلى بلدانهم في النيجر ومالي على متن سيارات عسكرية مدججين بما غنموه من أسلحة خلال انخراطهم في صفوف قوات القذافي.

تمّ للمتحالفين دحرُ الجيش المالي وطرده من الشمال ليأتي الانقلاب العسكري في العاصمة باماكو (22 مارس/ آذار) ضد الرئيس آمادو توماني تورى ويمنح المتمردين مزيدا من القوة والثبات، مقابل تضعضع الشأنين السياسي والعسكري للخصم المالي. لكن تحالف الانفصالي الوطني والإسلامي الجهادي لم يدم طويلا. فكان تقاتلٌ أدى إلى سيطرة “جماعة أنصار الدين” وحلفائها على كافة مناطق شمال البلاد.

و”الجماعة” (أسسها العسكري والدبلوماسي السابق إياد آغ غالي) طوارقية النسيج على عكس جماعات أخرى ينشطُ العرب في صفوفها. وقد تمكنت “أنصار الدين” من بسط سيطرتها بشكل كامل على مدينة تمبكتو التاريخية، شمال غرب مالي، حيث ذاع صيتها بعد قيامها بهدم أضرحة الصوفية والعتبات الدينية (أدرجتها اليونسكو على لائحة التراث العالمي عام 1988).

وتتحالف الجماعة مع تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” الذي يقوده أبو مصعب عبدالودود (مصادر تشير إلى أن العناصر في صفوف “أنصار الدين” أو حركة “التوحيد والجهاد” ليسوا في النهاية سوى مقاتلين سابقين لدى “القاعدة”). وتنشط تنظيمات جهادية أخرى مثل “حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا”، وهي حركة منبثقة عن تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” ويقودها محمد ولد نويمر، ومعظم عناصرها من العرب. وكتيبة “أنصار الشريعة” التي أسسها عمار ولد حماها بعد خروجه مباشرة من الجماعة السابقة الذكر. وكتيبة “الموقعون بالدماء” التي يتزعمها الجزائري خالد أبو العباس (مختار بلمختار) وكان قد شكّلها حديثاً بعد عزله من زعامة “كتيبة الملثمين” من قبل تنظيم “القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي”.

الدبلوماسيةُ الدولية سعت إلى بدائل دبلوماسية من خلال محادثات مع القوى المحلية بغية ابعادها عن خيارات الجهاديين. المسعى باركته الولايات المتحدة وسعت إليه دولٌ كبوركينا فاسو وموريتانيا والجزائر. وقد سمع فرانسوا هولاند خلال زيارته الجزائر أواخر العام الماضي كلاماً حول تقدم المساعي الجزائرية في هذا الشأن. ربما تلك المساعي هي ما دفعت الإسلاميين الى تسريع هجماتهم لإجهاض كل الخطط التي تروم النيل من دورهم ومكانتهم وما حققوه في شمال مالي منذ الشتاء الماضي.

الجزائر، البلد الذي لا يحتملُ بحكم تجربته تطور حالة إسلامية على حدوده (آخرها هجوم منشأة عين أمناس النفطية)، أدرك جسامة الأزمة وسعى إلى احتوائها. استندت الجزائر على علاقاتها التاريخية مع الطوارق، وعملت على ادارة محادثات بين قوى الصراع بهدف التوصل الى مخرج يُبعد كأس التدخل العسكري الدولي المرّ. بيد أن تطورات الميدان الدراماتيكية، وتنبه الإسلاميين إلى الحراك الدولي حولهم، أطاح بمساعي الجزائر فاصطدم الطموح النظري بالوقائع العملية في الميدان.

على أن ما تسرب في صحافة الجزائر من امتعاض من التدخل الفرنسي الثقيل على ذاكرة الجزائريين، يتناقض مع الموقف الرسمي الجديد (صادر عن الخارجية الجزائرية) الذي اعتبر التدخل الفرنسي “قراراً سيادياً مالياً” حصل بناء على طلب رسمي من السلطات في باماكو. الجزائر ابتعلت الكأس المر وذهبت أبعد من خلال فتح الأجواء أمام الطائرات الفرنسية للعبور لقصف مواقع داخل مالي، فيما تذهب جريدة الوطن الجزائرية إلى الكشف عن احتمال انضمام القوات الجزائرية إلى الجهد العسكري الفرنسي – الأفريقي لطرد الإسلاميين من شمال مالي.

الامر اذن وصل الى نقطة اللاعودة على نحو يحمل الجزائر كما دول أفريقية اخرى، ليس فقط للترحيب بعسكرية المقاربة الفرنسية، بل للمسارعة بالالتحاق بها وتعجيل إرسال قوات سبق الاتفاق بشأنها (دول مجموعة غرب أفريقيا كانت أقرت في ختام قمة استثنائية في تشرين الثاني / نوفمبر في أبوجا إرسال قوة عسكرية دولية قوامها 3300 جندي إلى مالي لمدة سنة). بكلمة أخرى، وحده المبضع الفرنسي أقنع الأفارقة أخيراً بجدية العالم للتعامل مع الورم المالي.

يكرر فرانسوا هولاند اليساري في مالي سلوك سلفه نيكولا ساركوزي اليميني في ليبيا في إقحام بلاده في صراع خارج الحدود. فإضافة للأسباب المباشرة، تحتاج باريس إلى تأكيد إنتمائها الدائم إلى نادي الدول الكبرى وما يعنيه ذلك من تسويق لقدراتها الإقتصادية ورواج صناعاتها العسكرية واستعادة مركزية دورها في السياسة الدولية (لاحظ زيارة هولاند إلى أبوظبي وتأمل إعلانه عن اطلاق مبادرة سلام جديدة فور انتهاء الانتخابات الإسرائيلية).

لكن فرنسا في سعيها هذا تخاطر جدياً بتعريض أمنها الداخلي لنكسات كبرى نتيجة حربها في مالي (إسلاميو مالي وعدوا بالإنتقام من فرنسا “التي تهاجم الإسلام”). والإسلاميون إذا يهددون بردّ الصاع ضد مصالح فرنسا داخل وخارج البلاد، فإن باريس تأخذ تلك التهديدات على محمل الجد، ذلك أن فرنسا هي أكثر البلدان الغربية احتكاكاً مع الإسلام والمسلمين، وبالتالي أكثر صداماً مع متطرفي الإسلام والمسلمين.

الرئيس الفرنسي أعلن في أبو ظبي أن بلاده لا تنوي البقاء في مالي وأن جنوده سيغادرون المكان حين تتوقف الإعتداءات ويتأمن استقرار وتنطلق عملية سياسية ديمقراطية. أما وقد بدا أن حسابات الميدان أقسى وأصعب من حسابات الساسة، وأن شوكة الإسلاميين أصلب من كسرها بعملية باريسية نظيفة وسريعة، فإن مخاوف تنامت في الأيام الماضية من أن تؤدي العملية الجارية لاحباط صوملة جديدة قيّد التشكل في أفريقيا إلى ولادة أفغانستان جديدة على أبواب أوروبا!

صحافي وكاتب سياسي

——————

نقلاً عن ميدل ايست أونلاين

-- محمد قواص

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*