الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ..وما الجديد في نشاط «القاعدة» بشمال أفريقيا؟

..وما الجديد في نشاط «القاعدة» بشمال أفريقيا؟

أحداث الجزائر المفجعة وتداعيات أزمة مالي، طغت على كل ما عداها في الأخبار خلال الأيام الماضية، وأحدثت صدمة مفهومة، لكنها لم تكن مفاجئة رغم أن بعض المعلقين تحدثوا عنها وكأن الإرهاب يداهم العالم لأول مرة، أو أن شمال أفريقيا لم يعرف عنف «القاعدة» وقسوة الإرهاب من قبل. صحيح أن جريمة احتجاز الرهائن وما أدت إليه من قتل أكثر من 38 فردا من العاملين في منشأة عين أميناس، 37 منهم من جنسيات أجنبية وواحد جزائري، كانت بشعة ومدانة بكل المقاييس، لكنها للأسف لم تكن مستبعدة في ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة وبعد التهديدات التي أطلقتها الجماعات المرتبطة بـ«القاعدة» وبالتحديد تلك الصادرة من كتيبة «الموقعون بالدماء» وعلى لسان زعيمها أو أميرها كما يلقبونه في مصطلحات هذه الجماعات، مختار بلمختار.

الحكومة الجزائرية ذاتها كانت تتخوف من هذا الاحتمال، لذلك قاومت الضغوط الدولية والإقليمية وجاهرت بتحفظاتها على التدخل العسكري في مالي معتبرة أنه لن ينهي الأزمة بل قد يفاقمها ويؤدي لإطالتها بالنظر إلى التركيبة الإثنية هناك، والطبيعة الوعرة للمنطقة الصحراوية الشاسعة التي ينتشر فيها المسلحون، وتاريخ الصراع الذي استغله المتطرفون والمسلحون بعد التجاهل الطويل لقضية الطوارق سواء داخليا أو خارجيا.

الجزائر لم ترد الذهاب إلى الحرب في مالي، لكن الحرب جاءتها في عقر دارها لأن النار عندما تشتعل فإنها سرعان ما تنتقل، ولأن عددا من قادة وعناصر الجماعات المسلحة التي تقاتل في مالي جزائريون يبحثون عن سبل لنقل الحرب إلى هناك، ليس لأن الجزائر سمحت للطائرات العسكرية الفرنسية بعبور أجوائها، بل لأن بينهم وبين الحكومة الجزائرية ثأرا قديما بعد كسر شوكتهم هناك بعد حرب دامية استمرت سنوات طويلة. فالجزائر حتى ولو نأت بنفسها تماما عن مستنقع مالي، فإن الجماعات المسلحة لو كانت تمكنت من دحر الحكومة المركزية والسيطرة على هذا البلد فإنها كانت ستبادر إلى نقل المعركة لا إلى الجزائر وحدها بل إلى موريتانيا ودول الجوار الأخرى.

المعضلة أن أزمة مالي كانت قد انزلقت نحو الهاوية وأصبحت مرتعا للجماعات المسلحة سواء حدث التدخل الفرنسي الأفريقي أم لم يحدث، فالفشل في إيجاد حل لقضية الطوارق ولمظالم الجماعات الإثنية أو القبلية الأخرى، أوجد مناخا للتصعيد وتربة خصبة تتغذى منها بعض الجماعات المسلحة، وتتغلغل منها عناصر «القاعدة» المنتشرة في المنطقة. فالأمر الثابت أن «القاعدة» ليست قادما جديدا إلى شمال أفريقيا، فقد عانت الجزائر بعد حربها الداخلية الطويلة مع الجماعات المسلحة من نمو تنظيمات ارتبطت بـ«القاعدة» وأسست ما يعرف بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتونس وموريتانيا أيضا تعرضتا لعمليات نفذتها جماعات مرتبطة بـ«القاعدة» أو قريبة من نهجها وأفكارها، مثلما عانى المغرب من هجمات إرهابية رمت إلى زعزعة أوضاعه. وقد امتدت عمليات الإرهاب إلى مصر والسودان وصولا إلى الصومال، قبل أن تبرز أخيرا تنظيمات متطرفة في نيجيريا وفي دول أفريقية أخرى.

هناك من اعتبر عملية احتجاز الرهائن في عين أميناس وبروز تنظيمات مرتبطة بـ«القاعدة» في مالي، من إفرازات أو تداعيات الربيع العربي، بينما الحقيقة هي أن الإرهاب ضرب الشمال الأفريقي سنوات كثيرة قبل الثورات العربية. صحيح أن طريقة سقوط القذافي التي انتشر خلالها السلاح بين عدد كبير من الفصائل، إضافة إلى الفوضى التي أعقبت ذلك أسهمتا في تسرب كميات كبيرة من السلاح إلى خارج ليبيا وبالتأكيد إلى دول الجوار، لكن هذا لا يعني أنه لو لم يسقط القذافي أو لو لم تحدث الثورة ضده، فإن الأوضاع في مالي لم تكن ستنزلق نحو الحرب، أو أن الإرهاب كان سينحسر ويختفي من المنطقة. فالقذافي نفسه حاول اللعب بورقة «القاعدة» وتسلم نظامه الكثير من عناصرها بعد صفقة مع استخبارات غربية، كما أننا اكتشفنا مؤخرا أن تنظيمات منتسبة إلى «القاعدة» تقاتل في مالي حاليا، كانت تقاتل إلى جانب قوات القذافي قبل سقوطه عام 2011. ورغم كل ذلك سمعنا العقيد الراحل وهو يحاول في أيامه الأخيرة التلويح بورقة «القاعدة» لتخويف العالم من أن نظامه إذا سقط فإن التنظيم الإرهابي سيكتسح المنطقة!

قد تكون الاضطرابات التي أعقبت سقوط بعض الأنظمة، أوجدت ظروفا قد تستغلها «القاعدة»، لكننا سنخطئ الهدف والمعالجة إذا تعاملنا مع الأحداث الأخيرة على أنها من تداعيات الربيع العربي، فالإرهاب لم يتوقف أصلا منذ عقود، والحرب ضده لم تهدأ، والمؤشرات توحي بأنها ستطول. فالحلول الأمنية رغم أنها ضرورية للتصدي للجماعات الإرهابية، لكنها وحدها لن تنجح في اجتثاث الإرهاب من جذوره، لأن الظاهرة أعمق وأسبابها أكثر تشعبا، ولا بد من التعامل مع كل جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإزالة أسباب الغبن التي تدفع البعض إلى أحضان المتطرفين، مع مراعاة تباين الظروف والبيئة من بلد إلى آخر مما يعني تكييف الحلول لتناسب الظروف الموضوعية لكل بلد. وفوق كل ذلك، وهذا هو الأهم، ينبغي التصدي لفكر التطرف الذي ينفخ في روح الكراهية ويبث سموم التعصب ويدفع بالشباب إلى الموت في ساحات القتال القريبة والبعيدة.

لقد حاربت أميركا مدعومة بتحالف دولي أكثر من عشر سنوات في أفغانستان، فهل نستطيع أن نقول إنه تم القضاء على «القاعدة» وطالبان؟ الواقع يشهد بأن عناصر «القاعدة» انتقلت إلى مناطق أخرى وعاد بعضها لاحقا إلى أفغانستان ليواصل القتال إلى جانب طالبان. وبعدما أنهكت أميركا من أعباء بقاء جنودها في ساحات بعيدة، لجأت إلى الحرب بالطائرات من دون طيار (الدرون) لاصطياد بعض رؤوس «القاعدة» وعناصرها، حتى ارتفع معدل غارات هذه الطائرات ثلاثة أضعاف خلال العام الماضي. ونقل موقع إنترنتي أميركي قبل أشهر معلومات منسوبة لعضو في الكونغرس جاء فيها أن غارات الطائرات من دون طيار قتلت 3378 شخصا في باكستان و1952 شخصا في اليمن و170 في الصومال. ورغم كل ذلك فإن الإرهاب لم يتوقف، بل يتنقل من منطقة إلى أخرى.

تجفيف منابع الإرهاب يتطلب مواجهة فكر التطرف أينما كان، ومعالجة الأسباب التي يتغذى منها الإرهابيون ويستغلها منظروهم لتجنيد الشباب، ومن دون ذلك لن تكون أحداث عين أميناس أو حرب مالي سوى محطة أخرى في حرب لا تنتهي.

o.mirghani@asharqalawsat.com

—————

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- عثمان ميرغني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*