الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بقايا عصر تخلف اليسار العربي

بقايا عصر تخلف اليسار العربي

وحدة أوروبا وصوغ سياستها وقوتها جاءا بعد قرون من الدم، لكنها أدركت أن حضارتها تنطلق من تماسكها وبناء قوتها، ونبذ الحروب فيما بينها وترك الصراعات، ومن خلال مشروع نهضة كاملة تقدمتها الفلسفة والعلوم والتشريعات استطاعت أن تكون المهيمن عالمياً طيلة عدة قرون بمنجزها الكبير، وقد تجاوزت ذاتها بآخر وحدة تكاملية عامة تراعي نزاع القوى القادمة وتستشرفها..

ومثل بقية دول العالم التي تم استعمارها عانت المنطقة العربية الويلات من أوروبا، ثم صراع الشرق مع الغرب، ونكبة الانقلابات التي ذهبت إلى أقصى نقطة في الفوضى السياسية وإشعال الحروب، والانقسام بين المعسكريين، والتي لا تزال بعض الأنظمة العربية تعاني منها حتى اليوم..

بقايا من لا يزالون على فكر اليسار العربي القديم، يفسرون مواقف روسيا من تأييد نظام الأسد ضد شعبه بأننا خلقنا مفاضلة بينها وبين الغرب الذي كان أكثر ضرراً لنا حتى اليوم، بحيث لم نشتر سلاحها، ولا فتحنا المجالات لاستثمارات بينية، واعتبارها قوة عظمى لا تزال تملك ترسانة هائلة من السلاح المدمر والتقليدي، وأول من قام بغزو الفضاء قبل أمريكا، وهذا صحيح، لكنهم يتناسون أن نظامها الحالي رأسمالي، وسياستها أقرب لميكافيلية الغرب في تحقيق مصالحها، وأنها لا ترقى بقدراتها المادية والتقنية إلى كوريا الجنوبية، مع انحسار تأييدها من قبل جمهوريات الاتحاد السوفياتي القديم في شرق أوروبا ودول البلطيق ودول آسيا الوسطى، وأنها لا تزال تعتمد في مواردها على النفظ والغاز كأساس لتحريك بقية صناعاتها المتخلفة حتى عن دول جنوب شرق آسيا..

أيضاً قيل إن عداء إيران للعرب بسبب دعمهم الحرب العراقية – الإيرانية متناسين أن في أدبياتهم التقليدية، وما قبل الثورة بمئات السنين تم وضع الجيش العربي على لائحة أحقر الشعوب والمطالبة بحذف كل شيء في كتبهم ولغتهم من أي تراث إسلامي أو عربي، وهي الآن تتحالف مع روسيا ونظام بغداد والأسد، ليس حباً في الدولتين العربيتين، وإنما لتمرير أهداف تتفق مع روسيا، شكلاً أنهما في الخانة الواحدة من كبح تمدد الغرب على دول المنطقة..

هذا التقويم الساذج تحول إلى موقفٍ لبعض تلك القوى، لكننا نضحك عندما تحول اليسار العربي برمته باتجاه ثورة الخميني تعويضاً عن فشل الاتحاد السوفياتي وبروز عدائها للشيطان الأكبر، بزعم أن البديل الإسلامي ربما يكون أممياً تقوده إيران في ثورة سوف تعم هذا العالم بأسره..

ومثلما اعتمدت العقلية العربية على تخليد البطل ورفعه إلى مرتبة القديسين كانت الأيديولوجيا بمثابة الدستور الذي ينظم حياة المستقبل العربي، ومع أن الغرب عدو إلاّ أنه بنى حضارة وفرت لنا متطلباتنا بصرف النظر عن خلافاتنا المستمرة معه، لكن روسيا تبقى في نطاق العالم الثاني، وإيران في العالم الثالث، وهو تقويم يستند إلى بنية الاقتصاد والإنتاج المتطورين لا إلى مخزون السلاح وكثرته..

————

كلمة الرياض

-- يوسف الكويليت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*