الأحد , 4 ديسمبر 2016

الاحتساب.. مرة أخرى!

كتبت مرة، أن دائرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تؤكد الصبغة العمومية للحسبة؛ لتتوافق مع العمل السياسي، كونها تشمل شتى أمور المجتمع، القائم على واجب تحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد، وتقليلها، فإذا تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت 

أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما، هو المشروع. وهو ما يؤكده الإمام النووي رحمه الله في قوله: « إنما يأمر، و ينهى، من كان عالما بما يأمر به، وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء؛ فإن كان من الواجبات الظاهرة: كالصلاة، والصيام, أو ظاهر بالمنكرات: كالزنا، والخمر، ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من وقائع الأفعال، والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء «. 

ما سبق، دليل على أنه لا يليق بالعلماء، أن يكونوا مغيبين عن تجلية هذه القضايا، وإيضاحها، بل لا بد أن يكون لهم حضور فاعل في اتخاذ القرارات المصيرية. فهم من يبينون حقيقة المنكر الشرعي، الثابت إنكاره بنصوص الشرع المحكمة، أو قواعده القاطعة، التي دلّ عليها استقراء جزئيات الشريعة، إضافة إلى بيان الأمور المتعلقة بالمصالح العامة، والتي تنضبط في نهاية المطاف بقواعد الشرع، فيخرجون برأي محكم، بعيدا عن الخلافات، والنزاعات المفرقة، تتفق مع نصوص الكتاب، والسنة، وفهم السلف الصالح رحمهم الله -. دون اللجوء إلى العنف، الذي قد يؤدي إلى فتنة في المجتمع. 

قبل أيام، أكد عضو هيئة كبار العلماء الدكتور يعقوب الباحسين، أن: «الاحتساب بشكل جماعي، يثير الفوضى، ويحدث الاضطرابات»، ومثله عَدَّ عضو هيئة كبار العلماء، وعضو المجلس الأعلى للقضاء الدكتور علي بن عباس الحكمي، أن: «إنشاء لجان احتسابية غير رسمية، تجاوز على الدولة «؛ مما يدل بلا شك -، على أن من الشروط المعتبرة عند أهل العلم في تغيير المنكر، هو: القدرة على التغيير، سواء كانت القدرة مادية، أو معنوية؛ ليكون ذلك متوافقا مع طبيعة النظام السياسي الإسلامي. فقضايا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من القضايا الكلية التي تمس المجتمع ككل. 

كم نحن بحاجة، أن تكون المنكرات منصوصا عليها في النظام، فما استوجب الإنكار قُنن؛ حتى لا تبقى تقديرية للمحتسب. وإذا كانت المنكرات ليست على مستوى واحد، فإن الإنكار عليها لا يكون على مستوى واحد. ثم إن هناك فارقا كبيرا بين الإنكار في مسائل الاجتهاد، والإنكار في مسائل الخلاف. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد، فهل ينكر عليه، أم يهجر ؟. وكذلك من يعمل بأحد القولين؟. فأجاب: «مسائل الاجتهاد، من عمل فيها بقول بعض العلماء، لم ينكر عليه، ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين، لم ينكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان؛ فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين، عمل به، وإلا قلّد بعض العلماء، الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم». 

كما أنه يجب التفريق بين المنكر اللازم، والمنكر المتعدي في الإنكار، سواء في درجة الإنكار، أو في العقوبة. ومثله التفريق بين المنكر المتفق عليه، والمنكر المختلف فيه. ولا يعني هذا، تحجيم دور المحتسبين، بل يعني تصحيح مناهجهم؛ حفظا للشعيرة، وترسيخا للسماحة المطلوبة. 

المصدر: الجزيرة

-- د.سعد بن عبدالقادر القويعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*