الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كلها بلادي وكل العالمين أقاربي!

كلها بلادي وكل العالمين أقاربي!

بينما كنت أجلس في الصف الأول في محاضرة لمادة بعنوان “الإسلام الاجتماعي” بدأت الأستاذة حديثها بعودة سريعة إلى عصور الظلام في أوروبا، حينما كانت الكنسية تسيطر على الحياة العامة وكان الجهل والخرافة والتقوقع أسياد المشهد في أوربا، حيث توارت الحياة المدنية في طيات التعصب والهوس الديني، ومن بعد انتهاء تلك الحقبة المظلمة من تاريخ العالم جاء من يعتقد بفصل الدين عن الحياة وتقديم العقل والمنطق على الخرافة والغيبيات، وكانت القارة العجوز على مشارف عصر جديد اسمه عصر النهضة، اعتقدت فيه أوربا أنها مركز العالم وأن أي أمة أخرى هي أمة دونها، وبعد تلك المقدمة انهالت الأستاذة بموجة نقد على هذا النمط من التفكير القاصر الذي يلغي الآخر ويهمشه ويقلل من شأنه. أطل حينها سؤال طارئ برأسه على عقلي فارضاً نفسه علي، فاستجاب له جسدي ورفعت يدي مطالبة بمداخلة عاجلة أعلم يقيناً أن أستاذتي “المسلمة” ستتقبلها بصدر رحب. 

قلت فيها: أليس هذا النمط من التفكير الذي يقصي الآخر ويهمشه أصبح مع الأسف جزءاً من منظومة فكر وقناعات جمع كبير من المسلمين والعرب؟ أليس فينا ومن حولنا من يؤمن بأنه هو الفرقة الناجية وأن الطوائف الاثنتين والسبعين الأخرى في جهنم؟ ألم يصبح هذا التفكير والإقصاء الذي مارسته أوروبا “كأمة” وجبة يومية تتغذى عليها عنصرية بعض الجامعات والأفراد المسلمة؟ أليس من حق أوروبا التي تسيدت العالم فعلاًً وحكمت المعمورة، ونهضت من ظلامها وظلماتها صناعياًً واقتصادياً وحضارياً أن تشعر بأنها الأفضل والأقوى، بينما تعيش الأمة الإسلامية انحداراً وانحطاطاًً وتخلفاً عن الركب لم تعرفه من قبل وبالرغم من كل ذلك يدعي بعض أبنائها بأنهم الأفضل فقط لأنهم مسلمون؟! 

صمتت الأستاذة لوهلة وشعرت بأسى الذي سيشعر به كل مسلم يعرف جيداًً ما هو حال المسلمين اليوم، ثم أردفت قائلة: إن تلك الأنا المتضخمة التي يعاني منها بعض المسلمين هي جزء ضئيل من سوء الفهم الذي يعيشه المسلم للإسلام.. لذلك قال الكاتب الفرنسي المسلم روجيه غارودي: “أحمد الله أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين”. 

لطالما استشعرت تلك العنصرية والفوقية التي يمارسها المسلمون سهواًً أو عمداًً تجاه كثير من جوانب الحياة البشرية بحجة أنهم خير أمة أخرجت للناس. 

إن الشعور الإنساني الفوقي تجاه أي قضية من القضايا يمنع الشخص من النظر إلى الصورة الكاملة بإنصاف واعتدال، كما أنه يقف حائلاًً دونه ودون التعلم والاستفادة حينما يؤمن بأنه الأقوى والأفضل فإنه يحكم على نفسه بالنهاية فهو حينها سيفقد أهم عنصر للتقدم وهو الدافعية والحماس. 

علمتني أمي درساًً لن أنساه ما حييت، وسأبقى مدينة لها ولفكرها الإنساني المعتدل، حيث أخبرتني بأن علي أن أحب وأحترم جميع الأجناس والألوان.. أن أحب الهندي لأنه قدم للعالم أجود أنواع القماش الذي نلبسه والبهارات التي نستلذ بها وأروع نظريات الروحانية والتأمل التي وضعها البشر.. كما علي أن أحترم الجهد والكد الصيني الذي يزرع ويصنع ويبني مختلف ما يحتاجه الإنسان لمزاولة حياته.. وأقدر ما تقدمه الولايات المتحدة من تطور تكنولوجي هائل ابتداء من صناعة للكمبيوترات والأدوية والسينما وصولاً إلى مركبات الفضاء، وأثمن الدقة والجودة الألمانية في الصناعة والطب، وأن أكون ممتنة للبرازيل وسويسرا التي تحسن مزاج العالم بكوب القهوة وحبة الشوكولاة الفاخرة، وأن أتعلم من اليابان دروس الإرادة والنهوض من تحت الركام، وأن أتمتع بمواهب الفرنسيين في إضافة الجمال والأناقة إلى هذا العالم، وأن أتأمل قيم الشهامة والكرم لدى العرب الذي أثروا الأدب العالمي بأروع القصائد والحكايات والعبر، وغيرها الكثير من روائع وفضائل الأمم العالمية. 

هكذا هو العالم مزيج معقد لكنه ثري وشهي، فلو نظرنا للعالم بنظرة امتنان وإنسانية تجاه ما يقدم بصرف النظر ما هي دياناته أو معتقداته لما عانينا من تلك العنصرية التي تمزق وحدته وجماله.. وهذا ما علمنا إياه ديننا وقدوتنا الحسنة محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخنا الزاخر بأجمل صور التسامح والمحبة فكما يقول أبو العرب الصقلي: إذا كان أصلي من تراب فكلها بلادي وكل العالمين أقاربي. 

نبض الضمير: 

“بقدر ما تنقص إنسانيتك فإنه ينقص إسلامك، فلا يمكن أن تكون مسلماً حقيقياً دون أن تكون إنساناًً صالحاً” – عدنان إبراهيم 

Twitter:@lubnaalkhamis 

———————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- لبنى الخميس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*