الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تونس بعد سنتين من الثورة: مكاسب وحصاد ضعيف

تونس بعد سنتين من الثورة: مكاسب وحصاد ضعيف

مرّت منذ أيام قليلة سنتان على اندلاع الثورة التونسية، وهي فترة كافية ليلقي التونسيون نظرة فاحصة على ما تحقق من الوعود على أرض الواقع. ولهذا الغرض بالذات توجّه رئيس الجمهورية د. منصف المرزوقي ورئيس المجلس الوطني التأسيسي إلى مهد الثورة مدينة سيدي بوزيد. وهناك أيّد المرزوقي المطلب الذي طالما ردده أهالي هذه المنطقة باعتبار يوم 17 ديسمبر الذي احترق فيه جسد محمد البوعزيزي هو التاريخ الرسمي للثورة وليس يوم 14 يناير الذي غادر فيه بن علي البلاد دون رجعة. لكن أهالي سيدي بوزيد كانوا مشحونين بمشاعر الغضب وعدم الرضا، وهو ما جعل بعضهم يقذفون الوفد الرسمي بالحجارة، مما عطل الجلسة الاحتفالية، وجعل كل القنوات التليفزيونية في العالم تنقل تلك الصورة غير الحضارية، ويرى بعضها أن الثورة في تونس قد فشلت.

مرور سنتين لا يسمح بالحكم على ثورة بالفشل، كما تعدّ سنة واحدة غير كافية لتقييم أداء الحكومة الحالية. وبالرغم من أنه قد جرت العادة بالشروع في قياس أداء الحكومات في البلدان الديمقراطية بعد مرور مائة يوم من انطلاق أعمالها، إلا أن الظرف الاستثنائي الذي تمرّ به تونس يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند الحكم على هذه التجربة.

كما أن حجم التركة الموروثة عن مرحلة الدكتاتورية، التي زادتها تعقيداً تداعيات الثورة وسقوط النظام السابق، قد أسهم بشكل واضح في إنهاك الحكومة وتشتيت قواها وبعثرة جهودها. لقد نجح بن علي في تقديم صورة مغلوطة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي تختلف إلى حد كبير عن الحقيقة التي اكتشفها التونسيون بعد فراره. ولهذا سيكون من الصعب إعادة البناء في وقت قصير، سواء حَكم الإسلاميون أو غيرهم.

هناك معارضون يحرصون –لأسباب سياسية وانتخابية- على رسم لوحة سوداء، وذلك بالقول إن الحكومة فشلت، وإن الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة النهضة، لم تأتِ إلا بكل ما هو سيئ. وهو تكتيك قد ينفع في الصراع السياسي، لكنه لا يجوز اعتماده عند الحديث عن ثورة في حجم الثورة التونسية. يضاف إلى ذلك أن مثل هذا الطرح لا يخدم إلا أنصار العهد السابق، الذين لايزالون يقتاتون من مخلفات مرحلة بن علي.

لقد حققت الثورة حتى الآن ثلاث نتائج مهمة، يمكن اعتبارها مكاسب حقيقية وتاريخية:

أولاً: أصبح التونسيون يتمتعون بقيمة الحرية صباحَ مساء وحتى يوم الأحد كما يقول الشاعر الغير ولا أحمد. ولا يقدر نعمة حرية التعبير والتنظيم والاختيار إلا الشعوب التي حُرمت إياها، وقد كان الشعب التونسي واحداً من شعوب المنطقة الذي عانى طويلاً من الكبت والخوف والقبول بأكل وجبة سياسية واحدة لفترة تجاوزت الخمسين عاماً. وفجأة جاءت الثورة لتنطلق الحناجر، وترتفع الأصوات، وتسقط الحدود، وتتساوى الرؤوس. لقد أصبح التونسيون يعانون من فائض الحرية، وهو ما جعل بعضهم يتصرفون دون مسؤولية، ويعتقدون أنه مسموح لهم أن يلقوا على رموز الدولة الطماطم والحجارة، ويلعنون رموز الدولة في كل لحظة، ودون أسباب وجيهة في أحيان كثيرة. ولا يدركون أن في ذلك إضعافاً للدولة وفتح المجال للفوضى. ومع ذلك فإن الحرية، حتى لو بالغ فيها بعضهم، فإنها تبقى مكسباً ثميناً من مكاسب الثورة.

ثانياً: أدت الثورة أيضاً إلى جعل التعددية واقعاً لا تراجع عنه. تعدد في الأحزاب والجمعيات والتيارات. وبعد أن كانت الأحزاب المعترف بها في عهد بورقيبة أو بن علي مجرد ديكور يزين المشهد ويسوق لصورة غير صحيحة عن نظام مستبد وأحادي، أصبحت الأحزاب محوراً رئيساً من محاور الحياة السياسية، وقاعدة أساسية من قواعد النظام الجديد، الذي هو حالياً في مرحلة البناء. ويكفي التذكير بأن تونس اليوم يحكمها تحالف بين ثلاثة أحزاب، وفيها مجلس تأسيسي يشرع ويراقب ويؤسس، وهو يضم ما لا يقل عن عشرة أحزاب. صحيح أن الظاهرة الحزبية في تونس لم تتجاوز في بعض الأحيان مرحلة المراهقة السياسية، لكن التجربة ستنتهي إلى بناء أحزاب قوية وناضجة وقائمة على برامج وبدائل ورؤى.

ثالثاً: رغم تأخر كتابة الدستور الجديد لأسباب متعددة، مما انعكس سلبياً على المسار الانتقالي برمته، إلا أن الصراع السياسي والأيديولوجي الذي عاشته مختلف الأوساط قد بدأ يُسفر عن ملامح دستور سيضمن الحريات الأساسية ويؤمن معظم الحقوق التي طالما حُرم منها التونسيون. صحيح لاتزال جوانب مهمة تتطلب تعميق النقاش نظراً لاستمرار وجود ثغرات خطيرة، خاصة فيما يتعلق بالنظام السياسي، إلا أن ذلك لن يكون مستحيلاً خلال الأسابيع القليلة القادمة.

في مقابل هذه المكاسب هناك ملفات خطيرة فشلت إلى حد الآن فيها الحكومات الثلاث التي تعاقبت بعد الثورة.

أولها: الملف الاقتصادي والاجتماعي. إذ بالرغم من بعض النتائج التي طالما أكد عليها الخطاب الرسمي، وأوردها رئيس الحكومة في بيانه الخاص باستعراض ميزانية الدولة لسنة 2013، إلا أن التونسيين، خاصة الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى، يعيشون خيبة أمل قاسية وهم يتابعون النتائج المحدودة خاصة في مجال التشغيل ومحاربة الفقر والتهميش.

ثانياً: استمرت الأزمة بين المركز والأطراف، حيث لاتزال الولايات الداخلية التي ثارت على الحيف الاجتماعي في عهد بن علي تعيش على الهامش، ولم يشعر سكانها بأي لمسة حقيقية تدل على أن أوضاعهم قد بدأت تتغير على أرض الواقع. هذا الإحساس بأن الزمن لم يتغير، هو الذي يفسر تعدد المواجهات بين الحكومة وعديد من هذه الولايات. ففي فترة وجيزة حدثت احتجاجات واسعة في كل من سيدي بوزيد، وسليانة، والقصرين، وغيرها.

ثالثاً: تعيش البلاد أزمة ثقة حادة بين الحكومة والمعارضة، وبين الحكومة وعديد من القطاعات الحيوية مثل الإعلاميين والنقابيين والقضاة وغيرهم من الفئات. ويعود جزء رئيس من انعدام الثقة إلى عدم وجود حوار جدّي ومؤسسي بين مختلف القوى السياسية والمدنية.

رغم هذه المكاسب القليلة على أهميتها وهذه الإخفاقات المتعددة المحبطة لكثيرين، فإن الثورة التونسية مستمرة.

———–

نقلاً عن الشرق

-- صلاح الدين الجورشي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*