الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الفاشية وثورات الربيع

الفاشية وثورات الربيع

أن يتوقع العالم أن تأتي ثورة ما وتغير واقعا سياسيا بائسا، شيءٌ صار ممكناً وإن كان حتى وقت قريب غير قابل للتصديق في زمن قياسي، كما حدث في تونس ومصر. وشيء متعثر صعب كما حدث في بلدان أخرى مثل ليبيا وسوريا، مثالا. 

حدث أن غيرت الثورات أفكار الشعوب، وأنضجت المفاهيم السياسية كالحرية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون، وما سواها من أسس الدولة الحديثة. 

لكن التغيير «الجذري» السريع في ثقافات الناس، وفي مجتمعات عربية تضج بمعدل عال من الأمية، إذا ما استثنينا النخب، يبدو الأمر أشبه بالهذر.

إلا أنه وبرغم الهذر هذا، أكاد أقول إن الأمية في العالم العربي يفترض أن تقودها النخب، وإن اختلف أحزابهم ومشاربهم. وإن افترضنا جدلا أن تتضمن كل أسرة عربية واحدا أو أكثر من أفراد هذه النخب المثقفة، فستكون الأمية ليست إشكالية مقلقة على أية حال.

 ولا ننسى أن الشرائح الاجتماعية التي لا تمتلك رأيا حقيقيا في الأوضاع السياسية عادة ما تتبع النخب التي تثق فيها، فتتبنى آرائها طواعية. ويبقى الحذر الأكبر من قيادة بعض الأحزاب والجماعات السياسية في الداخل، تلك التي لا تكترث سوى بطموحاتها الشخصية بعيدا عن طموحات الشعب في النهوض، فتستخدم الشعب مطية لأهدافها فحسب.

أحدث الربيع العربي هي تحولات جوهرية في الخريطة السياسية في الشرق الأوسط. وبرغم تغير الوجوه السياسية في دول الربيع تغيرا شكليا، تبدو التغيرات الاقتصادية أنها تعبر جسرا متأرجحا من الإخفاقات والتراجعات السيئة. ومما لا شك فيه، أن ما يحدث هو ضريبة متوقعة لعبور المستقبل نحو الضفة الآمنة على أحسن تقدير. 

هذا ما يعلمناه التاريخ بأحداثه المتكررة والشبيهة. فلا الحركات السياسية «الإخوان»، ومن سواهم سيستقر بهم الحال في الحكم طويلا، مالم ينجحوا في إدارة البلاد. وهذا لا يبدو مطمئنا حتى الآن.

وحتى الآن أيضا، لا يمكن، بأي حال، أن نقول إن الدول العربية دخلت نسق الدول «الحديثة». فهي ما تزال في فترة التحول الصعبة والانقسامات الداخلية كشأن مصر مثالا. 

وهذا الوضع السياسي والاقتصادي الهش هو ثغرات متاحة، تجعل الدول مطمعا للتدخلات الخارجية، للعبث والنيل من استقرار هذه البلدان، وإرباك بيتها الداخلي، ومن ثم تفككها بسبب صراعات التعددية الحزبية والطائفية.

قد تبدو الأفكار مشوشة أحيانا أمام هذا التشتت في مصر وتونس وليبيا وسوريا، ما يفتح الشباك والأبواب أمام الشك والمخاوف بشأن فشل الربيع العربي، ومن ثم الندم، وعبثا الحنين إلى الأنظمة الشمولية السابقة. 

كل ذلك بسبب التراجع الأمني والاقتصادي في تلك الدول. لا سيما ونحن نرى كيف اختُطفت تلك الثورات الشعبية من قبل جماعات «إسلام سياسي» هم السماسرة الجدد الذين يسعون لإفراغ طموحاتهم القديمة باستخدام شعارات ملتوية. 

وهنا تصبح هذه الجماعات جزءا من المشكلة لا جزءا من الحل. والمعركة الجديدة هي معركة من جولة واحدة، وخسارة الجولة من قبل هذه الجماعات تعني خسارة المعركة.

خلال العامين الماضيين، وهما عمر الثورات العربية، طبعت العديد من الكتب بلغات مختلفة، تحليلا، وتمحيصا في حالة الربيع العربي بين مشكك ومتفائل. 

وربما أبرز هؤلاء الصحافي البريطاني جون برادلي وهو مؤلف كتاب «من داخل مصر.. أرض الفراعنة على حافة الثورة»، الذي تضمن نبوءته حول الثورة المصرية الحتمية قبل سنوات من اندلاعها، فمنعت الإدارة السياسية في مصر آنذاك دخول الكتاب إلى أراضيها. 

وفي كتابه الجديد «كيف خطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط؟»، قدم برادلي تحليلات مختلفة أقرب إلى الواقع الفعلي، هو الذي عاش أكثر من عقدين من الزمان فى القاهرة، مراسلا لكل من صحيفة «الديلي ميل البريطانية» و»جويش كرونكيل»، واحتك بالناس في الأحياء الشعبية، متحدثا العربية والعامية المصرية بطلاقة. يقول برادلي بأن «اعتدال» الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس محض خرافة، بهدف خداع الناخبين والغرب على حد سواء، وتوقع مستقبلا كئيبا ينتظر دول الربيع العربي بمعيتهم.

السؤال المهم: هل كان الثوار العرب البسطاء يسعون فعلا إلى نظام ديموقراطي، أم أنهم كانوا يسعون أساسا لاستعادة الكرامة والخبز والعدالة الاجتماعية، دون تقدير حقيقي للديمقراطية الكلاسيكية الغربية؟. وثمة تساؤلات أخرى جمة ترافق الإحباط الذي تخلفه هذه الأوضاع على نفسيات الشعوب، ولا سيما الشباب «دينمو» دول الربيع العربي، بعد اختطاف الثورات الآن.

هناك مفاهيم مختلفة بحسب اختلاف التحليلات، ولا سيما النظرة الغربية، في تفسير الثورات وتبعاتها. ثمة من اعتقد بأن الديمقراطية ستقف عقبة أمام تقدم الإسلاميين، وهذا كما يقول برادلي «خطأ واضح، لأن التجربة أثبتت إنه إذا ما أتيحت الديمقراطية في البلدان العربية، كان الإسلاميون هم الرابحين». 

الجماعات الإسلامية السياسية في نظر برادلي هم «كالفاشيين الأوروبيين يستخدمون «البلطجة» للوصول إلى مبتغاهم وطموحاتهم»، وهذا يذكر تماما برؤية المفكر فرانسيس فوكوياما، الذي أسمى الجماعات الإسلامية بـ»الفاشيون الجدد».

السعي لنظام يسع الجميع بعدالة اجتماعية حقيقية هو الحل البديهي الصعب لدول الربيع، وعلى رأسهم مصر. لكن لا يبدو للأسف أن ذلك يلوح في الأفق القريب. وتبدو السلطة في ظل الصراعات السياسية كلعنة شيطانية تصيب مرتكبها. 

المجتمعات العربية لم تعد قادرة على تحمل محاولات فشل متكررة، وهي التي تنتظر استقرارا سياسيا وأمنيا واقتصاديا، يريح المنطقة. ويبقى الأمل بقراءة التاريخ وتحولاته بصفته ورقة الرهان الأصعب.

———–

نقلاً عن الشرق 

-- فضيلة الجفال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*