السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » غياب الوطنية عند البعض

غياب الوطنية عند البعض

العلاقة بالوطن، وتكريس الانتماء لمكوناته التاريخية والجغرافية، واستنبات مضامين الأفكار والرؤى التي تساهم في صناعة مستقبلاته الفكرية التنويرية، وتوطين الحداثة في فضاءاته الإنتاجية على كافة الصعد، هي حالة مقدسة يجب أن يعيها ويلتزم بمشاريعها كل مواطن يدرك أن المواطنة ليست ترفاً نمارسه تنظيراً، ونتعامل به في أزمنة الاسترخاء واللحظات الوردية، وما نعيشه من مكاسب مادية تُتخم حياتنا بما نحتاجه وبكثير مما لا نحتاجه، بل يفيض كثيراً عن قدرتنا على استيعاب بذخه وترفه وعبثيته.

العلاقة بالوطن هي في تجليات مفاهيمها الحقيقية ارتباط لا ينفصل في كل الظروف والحالات والمتغيرات والمستجدات بين التراب والمكون الإنساني، بين التاريخ بما فيه من مخزون انتصارات وهزائم، وبين واقع معاش فيه الأمل والطموح والحلم بمكانة إنتاجية وفكرية وعلمية تبهر العالم، وتضع الكيان في مواقع متقدمة من الإنجاز الحضاري والإنساني، وتضعه بين شعوب وأمم تقدم الرخاء والحب والسلام للإنسانية، وتنتج زمناً فيه التعايش بين كل الثقافات والحضارات الأممية.

العلاقة بالوطن ليست كما يفهمها البعض مكاسب مادية وامتيازات اجتماعية، والنظرة إليه تكون منطلقة عبر سلوكيات هابطة جداً ومفاهيم متدنية وربما بشعة في رداءتها على أن الوطن لا يعدو عن كونه قطعة “جاتوه” يجب أن نوظف إمكاناتنا وقدراتنا وما نمتلكه من أدوات ووجاهات على اقتطاع أكبر جزء من قطعة “الجاتوه”، نأكل منها حتى التخمة وما يزيد عن الحاجة نحتفظ به حتى لغير وقت الحاجة، إذ لا حاجة مطلقاً لهذا البعض.

فاحت روائح الفساد الإداري، واستشرى هذا الداء المخيف، وحُرم المواطن من كثير مشاريع تنموية وصحية وتعليمية واقتصادية خصصت الدولة المليارات من أجل قيامها شواهد على العطاء والإنفاق الحكومي، وذهبت بعض المبالغ المخصصة لهذه المشاريع وللبنى التحتية إلى جيوب البعض، وأرصدة في بنوك أوروبا وأميركا، لأن الوطن ومكتسباته وإرثه في نظر هذا البعض “كعكة”، وكان هذا السلوك بغيضاً ومؤلماً لقيادة الوطن، وتحول إلى هاجس مؤرق عند خادم الحرمين الشريفين – الرجل الإصلاحي والنزيه والشريف والعفيف – فأنشأ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لتكون حماية للوطن ومداخيله وثرواته وبالتالي تحصيناً لمشاريعه التنموية من فساد البعض الذين نماذجهم تحاكم في قضية كارثة سيول جدة، وما أكثر وأشد وجعاً وتفتتاً ما هو خفيٌ حتى الآن ولا تزال الطبيعة مهادنة لم تفضح عوراته.

أحسب أن الوطن ظُلم كثيراً من بعض أبنائه، لم يعطوه حقه كما يجب، ولم يمارسوا الأمانة الوطنية والأخلاقية مع تطلعاته، البعض مارس الجحود بالتطرف واغتيال المنجز، والبعض تعامل معه كغنيمة عليه أن يحصل منها على الكثير عبر السرقة والخيانة واللصوصية، والبعض رأى بعد أن أُتخم أن الأرض تضيق به، فتعالى عليها إلى مواطن أخرى وهنا أستدعي مقولة الكبير السياب “إن الوطنية الحقة هي أن نحب بلادنا على نقائضها، وأن نسعى إلى إكمال كل نقيصة فيها.. لا أن نلوذ بالفرار، لأن بلاداً أخرى هي لساكنيها..”.

علينا أن نضع الوطن تاجاً على رؤوسنا، ومصلحته مقدسة.

————————–

نقلاً عن الرياض 

-- راشد فهد الراشد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*