الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أوباما والربيع الإخواني: سياسة «التجريب»!

أوباما والربيع الإخواني: سياسة «التجريب»!

راهن الكثير على أن ولاية أوباما الثانية ستشهد تغييرات واسعة في سياسته الخارجية التي كانت محل انتقاد، لا سيما أنها لم تكن على وتيرة واحدة، بمعنى آخر لا يستطيع المراقب السياسي أن يضعها في إطار رؤية محددة، فهي تفتقد «الحسم» في سوريا، لكنها حاسمة جدا في مساندة ودعم الحلفاء الجدد «الإسلام السياسي» ومنحهم المزيد من الفرص رغم الأخطاء الكبرى التي ستنعكس بالدرجة الأولى على أميركا نفسها في حال تفاقم الأوضاع في المنطقة، والسؤال ما الذي يحدث في العقل الأوبامي وداخل أروقة البيت الأبيض؟

يمكن القول: إن الولايات المتحدة منذ أن اتخذت قرار استبدال الأنظمة السلطوية التي لا تحظى بتأييد شعوبها بالإسلام السياسي على اعتبار أنه يمثل قوة ضاربة في الشارع، وهي تمارس سياسة «التجريب» فيما يخص العلاقات الخارجية، فالمصالح الأميركية قائمة كما نعلم على مبدأ صياغة التوازنات الدولية طمعا في تعزيز دور الولايات المتحدة ومكانتها في العالم.

سياسة «التجريب» قد تؤدي إلى فتوحات اقتصادية أو تحولات فيما يخص الفرص الممنوحة لدول كانت تصنف على أنها دول معادية، والأصل أن التجريب بمعناه العلمي هو تكرار التجربة للوصول إلى نتائج مغايرة باستخدام أدوات وعوامل جديدة، لكنه بهذا المعنى في عالم السياسة «خطر» جدا إذا لم تدرس العواقب بشكل جيد، وهو الخطأ الذي تحاول الولايات المتحدة المضي فيه قدما، وعذرها في ذلك مع أوباما هو أن قدومه لسدة الرئاسة بتلك الطريقة الدرامية كقصة نجاح شخص عصامي أوقعته في مأزق الانسلاخ من الإدارة السابقة والوقوع في فخ «التجريب»، ورغم كل ما يقال عن الإدارات السابقة التي ترأسها جمهوريون من نقد وتجريم لاستخدامها القوة العسكرية كسلاح وحيد في حفظ المصالح؛ فإن استبدالها بالقوة الناعمة وبشكل حصري أيضا غير طريقة تلقي الموقف الأميركي سواء من قبل حلفائها الجدد (الإسلاميين) أو خصومها السابقين كإيران وسوريا وكل دول وحركات وميليشيات الممانعة.

وإذا كانت معززات النفوذ الأميركي في المنطقة ليست عسكرية فحسب، فالتفوق العلمي والاكتساح الثقافي المدعوم باقتصاد متين صنعا الصورة الأميركية الأسطورية لكن التفوق العسكري كان يجعلها متقدمة بمسافة كبيرة على منافسيها الصين وروسيا وباقي الدول الأوروبية، ومن المهم التذكير هنا بأن أميركا ما زالت تستحوذ على أكثر من نصف الإنفاق العالمي على التسليح.

سياسة «أوباما» التجريبية وخصوصا مع الإسلام السياسي كانت مبنية على نجاح التجربة التركية، وهو ما حفز الأميركيين على تكرار التجربة دون التنبه إلى اختلاف المناخ والعوامل المؤثرة، تراجع علمانية تركيا سياسيا وصعود القوى الجديدة التي كانت تمثل الطبقة الوسطى وتحالف التجار لم يتأسس على أنقاض العلمانية، وإنما على تطويرها بحيث تستوعب أطيافا أخرى تتفق معها في خطوطها العريضة لكنها تستند إلى هوية إسلامية كان الحزب حريصا على تحييدها في صعوده السياسي، كما أن طموح تركيا بقيادة العالم الإسلامي عبر تحالفها مع الإسلام السياسي في دول ما بعد الربيع العربي وإن حظي بمباركة أميركية، إلا أنه تم رفضه بشدة من قبل كوادر الإسلام السياسي وحلفائها السلفيين فهو في نظرهم إسلام معلمن لا يمكن أن يكون بديلا لأطروحات الحاكمية وتطبيق الشريعة وكل الشعارات المستندة إلى «هوية» طاردة لأي اختلاف أو تنوع داخل المنظومة الفكرية للإسلام السياسي وعلى رأسهم «الإخوان».

التجريب الأوبامي في رهانه على «الإخوان» في طريقه للفشل كما تدل كل المؤشرات، حيث صورة «الإخوان» في أدنى مستوياتها وتنحدر بشكل سحيق، فلا يمكن للجماعة أن تدعي تسيد المشهد المصري أمام كل هذه المظاهرات التي تجتاح المدن الكبرى وتسقط العشرات من الأبرياء، وربما مع استمرار الوضع ستتجاوز أرقام الضحايا «ثورتها الأولى» في ظل ارتباك الرئيس محمد مرسي المشدود لأهله وعشيرته، كما أن تحالف الجماعة مع المجلس العسكري بعد سقوط مبارك لن يفيد الآن بعد أن تخلى «الإخوان» عن وعودهم ليس للعسكر بل للشعب وباقي القوى السياسية وقاموا بالسيطرة على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها وصولا إلى تحقيق حكم المرشد حيث يعتلي الرئيس العرش بصلاحيات مفتوحة وغير مسبوقة.

مأزق الحالة المصرية و«الإخوان» فيها يمارسون التجريب لكن ليس بطريقة سياسية وإنما «أمنية» ضاغطة وهو ما سيفقدهم شرعيتهم لكن ذلك أيضا مرهون بعوامل أخرى يدرك «الإخوان» أنها لم تتخلق بعد، وأهمها وجود كيان معارض يحظى بقبول الشارع ويستطيع أن يتفق على أهداف محددة وليس مجرد عداء «الإخوان» كما هو الحال في جبهة الإنقاذ التي لا تتفق على شيء سوى مضادة منطق الجماعة فحسب، لكن الخطر القادم من المناطق خارج القاهرة يبدو أنه سيخلق كيانات جديدة تفيق معها هويات صغيرة جهوية ومناطقية تنذر باشتباكات عنيفة ومع سقوط الضحايا يصبح خط الرجعة صعبا للغاية مع حالة التردي الاقتصادي وغياب أي مشاريع تنموية جادة لانتشال الوضع من القاع.

في مقالة هامة للغاية كتبها حسين آغا في «ذي نيويورك ريفيو» على جزأين بعنوان هذه ليست ثورة أشار إلى لقطة هامة وهي أن ما يحدث هو جزء من لعبة الكراسي الموسيقية في مصر، يلعب السلفيون اليوم الدور الذي لعبه الإخوان المسلمون من قبل، والإخوان المسلمون يلعبون الدور الذي لعبه من قبل نظام مبارك. وفي فلسطين، الجهاد الإسلامي هو حماس الجديدة التي تطلق الصواريخ إحراجا لحكام غزة، وحماس هي فتح الجديدة التي تزعم أنها حركة مقاومة في حين تحكم الخناق على من يجرأون على المقاومة، وفتح محض نسخة من الأوتوقراطيات العربية القديمة التي كانت تنتقدها فيما مضى. ترى – ويتساءل – كم نبتعد بالضبط عن اليوم الذي سوف يقدم فيه السلفيون أنفسهم للعالم بوصفهم البديل الأفضل من الجهاديين؟

إشكالية التجريب الأوبامي أنها اطمأنت إلى تصورات الإسلام السياسي حول المصالح الغربية ومصالح إسرائيل وهو ما دافع «الإخوان» عنه بشراسة كصفقة سياسية في مقابل رفع اليد عن أدائهم السياسي الداخلي حتى لو بلغ سحق كل المعارضين والاستيلاء الكامل على السلطة على طريقة «الخلافة» وهو الأمر الذي أراح الأتباع والكوادر التي تعمل في الجماعة ومع حلفائها، فهي لا تكف عبر رسائلها في الـ«يوتيوب» والإنترنت عن ضرورة عدم السماح لأي أحد بالاقتراب من السلطة بعد أن من الله بها على أهل الحق.

إنه كما يقول حسين آغا مجددا «سباق أولمبي للجري على الحبل. إن قوة الإسلام السياسي تأتي أساسا من عدم ممارسته. ونجاحه مؤخرا قد لا يكون إلا مؤشرا على قرب سقوطه. كم كانت الحياة أبسط على الجانب الآخر».

y.aldayni@asharqalawsat.com

—————————

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- يوسف الديني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*