الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عن بعض ملامح التغيير المنشود

عن بعض ملامح التغيير المنشود

تحدثنا الأسبوع الماضي عن بعض المعادلات التي تناولها كتابنا الأخير عن التحديات والتحولات في العالم العربي، ولابد من الإشارة هنا إلى أن مبدأ الثقة ليس حصرا على الدول العربية، بل بالإمكان استحضار ما يقع في الفضاء الأوربي من ثورة شعبية 

على حكام انتخبوا بطريقة ديمقراطية ولكن ذلك لم يغنهم في شيء لأن مبدأ الثقة فقد بينهم وبين منتخبيهم بسبب عدم قدرتهم على تسيير الاقتصاد الوطني ومحاربة البطالة وإيجاد مناصب الشغل والحد من المديونية. 

فأزمة الديون في اليونان جعلت شرائح المجتمع مجتمعة تخرج إلى الشوارع إلى أن تنحى رئيس الوزراء ببانديريو عن السلطة وتبعه في ذلك رؤساء أوربيون آخرون بما فيهم الميلياردير الإيطالي سيلفيو برليسكوني الذي اضطره الغليان الشعبي والديون الإيطالية التي وصلت إلى 1.9 تريليون أورو إلى التخلي عن عرشه، وللذكر هنا فإن نسبة الفائدة على قروض التمويل التي أصدرتها حكومة برلسكوني في شكل سندات إلى 7.35 في المائة لتفوق بذلك نسبة 7 في المائة التي جعلت دولا كاليونان والبرتغال وإيرلاندا تطلب الحماية النقدية الدولية وما لذلك من تبعات سلبية في المدى المتوسط والبعيد؛ كما أن إسبانيا التي عرفت أشهرا عجافا بسبب البطالة والمظاهرات التي عمت شوارع مدريد وبرشلونة جعلت رئيس الحكومة ينادي بانتخابات تشريعية سابقة لأوانها، كما أن هذا الربيع الرأسمالي وصل إلى قلب العاصمة الفرنسية عندما قررت حكومة ساركوزي السابقة اتباع سياسة للتقشف وذلك بخفض الإنفاق الحكومي بمائة مليار يورو (140 مليار دولار) وحتى سنة 2016 اتقاء لما وقع في إيطاليا قبل أن تخسر حكومة وحزب ساركوزي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. كل هاته الحكومات وصلت عن طريق صناديق الاقتراع؛ ولكن المواطن الأوربي لم يعد يثق في تلك الزعامات التقليدية الأوربية. 

ومعنى كل هذا الكلام أن الانتخابات ليست الوحيدة لضمان الاستقرار السياسي، فعامل الثقة من أكبر الركائز في تجذير أصول الحكم وبناء المؤسسات وتحقيق التنمية. 

المعادلة الأخرى أن الدول العربية فهمت أنها تكون قوية بتماسك مجتمعاتها، وتفاهم الدولة والمجتمع وعقدها الاجتماعي، بمعنى أنها أخيرا فهمت أن الوصاية الخارجية لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن معادلة عيش الدولة بين سندان الخارج ومطرقة المجتمعات معادلة سلبية؛ فالاستقواء يكون بالمجتمعات والدول تكون قوية لا بأسلحتها ولا بتحالفاتها الخارجية الأمنية وإنما بمجتمعاتها؛ فلقد تنازلت العديد من الأنظمة عن واجباتها الداخلية مقابل حماية خارجية، وهاته الحماية الخارجية هي بدورها في حاجة إلى حماية، فلننظر إلى أنظمة إيطاليا واليونان والبرتغال كيف تهاوت كما تتهاوى أوراق الخريف بسبب أزمة المديونية؛ كما أن الأزمة الاجتماعية عندما اندلعت في تونس لم تستطع الحليفة التقليدية فرنسا من مجاراة النظام ولا التعامل بمحددات الدبلوماسية الخارجية التي طبعت علاقات البلد منذ استقلاله سنة 1956 بمعنى أن تلك المحددات كانت مؤقتة وسلبية؛ المعادلة الأخرى ترمي إلى بناء نظام عربي متكامل؛ فالنظام العربي بقي لعقود نظاما مبتورا ومريضا مرضا مزمنا بسبب الآليات المتحكمة في تركيبته؛ فلا خلق جامعة الدول العربية، ولا التوقيع على العديد من الاتفاقيات والشراكات الثنائية ومتعددة الأطراف، ولا خلق بعض التجمعات دون الإقليمية، مكنت منظومة العمل العربي المشترك من الالتحاق بركب النظام الأوربي مثلا أو النظام الأمريكي أو النظام الآسيوي بمعنى أن النظام العربي كان خارجا عن النظام العالمي وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل الأمة العربية لها من الديناميات ما يدفعها إلى تشكيل وحدة إقليمية متماسكة على شاكلة الاتحاد الأوروبي مثلا؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا خفقت في تحقيق الوحدة؟ بعض المحللين يرجعون مصدر العلة إلى بعض العوامل كالصراع على الزعامة والنفوذ بين القيادات العربية والنخب، والاختلاف في حجم المعطيات الاقتصادية بين الدول العربية، والتباين الكبير في نظم الحكم والإيديولوجيات وتنامي النزاعات الوطنية المرتبطة بالدول القطرية، وأخيرا استمرار التدخل الغربي-الإسرائيلي لاجتثاث بذرة الوحدة العربية الكامنة في تربة الأمة وإخماد شعلتها المتقدة على حياء. 

إلا أن هذا النوع من التفكير يبدو لنا خاطئا ولا يسمح لأي حصيف قارئ أن يحقق فيه أي تقدم معرفي، ومن هنا العديد من النظريات الخاطئة. فالتاريخ يُخْتَزَلُ في هاته العوامل وكأنه نتيجة معطيات أنشئت مسبقا، ويكفي الباحث تشخيصها لشرحها؛ والصائب أن التاريخ لا يخضع لقواعد العوامل، وإنما هو يندرج في إطار من الديناميكية المستمرة تتعدى العوامل ومكونات المجتمعات المختلفة، وتخلق سيرورة مستدامة تغير تلكم العوامل والمكونات بحسب الأزمنة والأمكنة والظروف. 

فإذا أردنا مثلا تتبع نشأة وتكوين الاتحاد الأوروبي بحثا عن الديناميات المتحكمة بالأمور المتحولة، لوجدنا الدينامية السياسية (وليس الوحدة الثقافية) هي المحرك الأساسي لعجلة الوحدة الأوروبية؛ فالمجتمع الأوروبي يتحدث لغات عديدة حتى لإنك تجد عدد المترجمين في مؤسسات الاتحاد يقرب ثلث الموظفين فيها؛ كما أن قوة الثنائية الألمانية -الفرنسية في بناء صرح الاتحاد الأوروبي هو أفضل دليل على صلابة القوة السياسية في بناء الاتحاد، بعد أن عاش البلدان ويلات ثلاثة حروب طاحنة في الأعوام 1870 و1914 و1939؛ فبناء الوحدة وتجنب العودة إلى العداء والشقاق لا يتم فقط ببناء الجوار الحسن وإنما بفعل إرادة سياسية قوية مشيدة لمؤسسات تتجاوز حدود الانقسام. 

المعادلة الأخرى تقتضي بأنه على الدول العربية اليوم أن تنجح في تحقيق التحالفات والتكتلات والتكاملات الإقليمية والاندماج البناء؛ وهاته هي الطريقة التي ستسمح بخلق فرص للشغل وتحقيق التنمية وخلق شروط النمو؛ وللأسف بقيت بعض الدول تقول إنها ستعرف هجرة لا مثيل لها من الدول العربية الفقيرة إذا لم تحكم عوامل التبادلات والتكتلات الإقليمية، وهذا التخوف كنا نسمعه مثلا عندما أرادت أوربا الشرقية الانضمام إلى الاتحاد الأوربي وكانت بعض الأوساط الألمانية تحذر من تسونامي بشري يهاجر إليها من دول كهنغاريا ورومانيا، يحدث أزمة اجتماعية واقتصادية في ألمانيا ولكن لم يقع شيء من هذا القبيل. 

والعالم بأسره يعرف نماذج من الاندماج والتكاملات الإقليمية والجهوية وهي قد تكون اقتصادية، كما قد تكون سياسية واجتماعية واقتصادية كما قد تكون أمنية وعسكرية إلى غير ذلك. 

لا يتسع المقال لذكر الأمثلة، ولكن الذي يهمنا هنا هو شيء واحد يمكن أن نصوغه في سؤال واحد: هل العامل الجغرافي ضرورة لتحقيق الاندماج والتكتل الإقليمي؟ الجواب عندي أن هذا العامل في القرن الواحد والعشرين لم يعد ضرورة من الضروريات اللازمة؛ فمدرسة الإقليمية التقليدية كانت تنادي بضرورة خلق التكامل مع دول متجانسة اقتصاديا وتاريخيا وجغرافيا وثقافيا واجتماعيا، أما اليوم فيجب الاستعانة بمدرسة الإقليمية الجديدة التي تنادي بخلق التكتلات على أساس تشابه المصالح بين الدول؛ فإذا أخذنا مثلا تجربة مجلس التعاون الاقتصادي لدول آسيا – المحيط الهادئ (الاَبك) ورابطة التعاون الإقليمي لدول المحيط الهندي والتي تعتمد على المنظور الإقليمي الجديد، فإنها تنطلق من تصور سلس وسريع للتنمية كتحرير التجارة البينية ونقل التكنولوجيا وتسهيل نقل الاستثمارات؛ أما المؤسسات التي نشأت انطلاقا من المنظور التقليدي للتكتل كرابطة دول جنوبي شرقي آسيا (الآسيان) ورابطة دول جنوبي آسيا للتعاون الإقليمي (السارك) ومنظمة التعاون الاقتصادي (الايكو) فإنها ركزت على التكامل الاقتصادي عبر المراحل التقليدية لهذا التكتل انطلاقا من خفض التعريفات الجمركية وصولا إلى الوحدة الاقتصادية. فلم يعد التجانس الجغرافي القاعدة الأساس في شروط الاندماج والتكتل الإقليمي الضيق؛ وبإمكاننا أن نأخذ مثال حلف الناتو حيث إن من بين أعضائه الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا وغيرها وما عطلت هياكله يوما من الأيام. 

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*