السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لا نريد بالاعتدال بديلاً

لا نريد بالاعتدال بديلاً

قام الدين الحنيف على الاعتدال وكانت أمة الإسلام أمة الوسط ومن المنهج الرباني القويم المنزل على الرسول الأمين الرحمة المهداة للعالمين حارب الإسلام الغلو والتنطع وجميع مظاهر التطرف الذي قامت بأدواره والتدثر به تلك الفرق الضالة والمنحرفة قديماً وحديثاً مثل الخوارج والجهمية والقدرية وغيرها، وكان شعار أهل السنة والجماعة ومبدؤهم منذ أشرق نور النبوة الوضاء وانداح سناه في الخافقين هو أنه لا إفراط ولا تفريط في منهج عقيدتهم وتطبيقها في مناحي الحياة بخلاف أهل الديانات الغابرة من الذين فرطوا أو غلوا.. لأنه ما كان للغلو من موضع وظهور إلا كان لإبليس لعنه الله نصيب في غواية أصحابه من المغالين والمتنطعين الهالكين، وللإمام العلامة بن القيم- رحمه الله- وصفاً دقيقاً ورؤية صائبة في اقتران إبليس بأهل الإفراط والتفريط ومما قاله- رحمه الله- «ومن كيد عدو الله إبليس أن يشم قلب العبد فإن رأى عنده قوة إقدام وعلو همة قلل عنده المأمور وأوهمه أنه لا يكفي وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وإن رأى الغالب عنده الانكفاف والإحجام ثبطه عن المأمور وثقله عليه حتى يتركه أو بعضه» وفي هذا المعنى قال أحد الشعراء: 

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ***كلا طرفي قصد الأمور ذميم 

ولكن وما أقسى كلمة لكن في مثل هذا المقام فإن المتتبع الحاذق الواعي والراصد المنصف الحصيف لمسيرة الصحوة المعاصرة في بعض المجتمعات الإسلامية في سنواتنا الأخيرة يلحظ بكل وضوح أن هناك بعض الفهم الخاطئ لدى فئة قليلة جداً من الناس لمدلول وأهداف الصحوة الراشدة أو بمعنى آخر وأصح الالتزام المطلوب من أتباعها في طريقة حياتهم. 

هذه الفئة مع الأسف الشديد شطت على نفسها كثيراً وأركبتها مركباً عسيراً بل ومغايراً لمبدأ العقيدة الوسطية الصافية السمحة وفطرة الحياة الكريمة المألوفة حيث اعتبرت وأخذت في اعتقادها أن الالتزام المطلوب هو تعذيب النفس وتضييق سُبل الحياة والتنكيد على الآخرين ليحذو حذوهم، بحيث وصل الأمر بهم إلى درجة تقييم وتقويم معتقدات وإيمان الآخرين من بني ملتهم وجنسهم، وفق ظواهرهم ومظاهرهم والتسرع في الأحكام بدون روية أو برهان والنظر للمجتمع من حولهم بصفة عامة بمنظار التشاؤم المفرط وحالة الانغلاق والقنوط واليأس.. هذه الفئة تعول في تأويلاتها وما وصلت إليه لأسباب أكثرها من بنات أفكارها مؤطرة بالأوهام والشكوك المفرطة وعدم الثقة.. هؤلاء في يقيني ومن الواقع المعاش هم بلا شك وبال على الصحوة وحجر عثرة في طريق نموها وازدهارها وإشراقها وسماحتها واعتدالها.. ولكن السؤال المهم الذي يفرض نفسه ويلح في طلب الجواب والعلاج هو إلى متى هؤلاء في غيهم يعمهون وفي عنجهيتهم هائمون وفي عنادهم سادرون وجهلهم سائرون.. وهل حقاً أن مثل هؤلاء يمثلون جانباً من الصحوة أو حتى ينتسبون لها اللهم إلا إذا كان لها جانب شاذ ومتقوقع بسبب سوء وتسرع التطبيق الخاطئ من مثل هؤلاء. 

abo.bassam@windows live.com 

الرياض- كاتب صحفي ومدير عام تعليم سابق 

—————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبد الله الصالح الرشيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*