السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ما الخطوة التالية بالنسبة لمالي والجزائر؟

ما الخطوة التالية بالنسبة لمالي والجزائر؟

في الجزائر العادات القديمة لاتموت بسهولة. فالبلاد متأقلمة كلاسيكياً على التصرّف بصورة تلقائية وسرّية عندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة والأمن الوطني. هذا الأمر الذي يشبه ردّ الفعل المنعكس برز بوضوح في 16 كانون الثاني (يناير) عندما شنّت قوات الأمن الجزائرية هجوماً على المتشدّدين الذين احتجزوا عدداً من الرهائن وسيطروا على حقل عين أميناس للغاز الطبيعي في شرق الجزائر بالقرب من ليبيا.

ربّما كانت المخاطر عالية جداً، بيد أن النتيجة الحاسمة لم تكن موضع شكّ أبداً. فقد كان من شأن التوقف عن إطلاق النار أن يشكّل انتهاكاً لعقيدة الجيش الجزائري المتمثّلة بألا يكون أول من يصاب بالخوف والفزع أبداً في المواجهات مع أعدائه. لكن، كان من شأن ذلك أيضاً استدعاء التورط الغربي وهو الأمر الذي كانت الجزائر حريصة على تجنّبه.

لم يكن العقل المدبّر لعملية احتجاز الرهائن سوى مختار بلمختار الأعور، وهو محارب قديم في الأربعين من عمره ينتمي إلى تيار الإسلام السياسي الجزائري الذي يمارس العنف. في العام 2007، أقسم بلمختار على الولاء لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2012، ترك بلمختار التنظيم ليشكّل جماعته الخاصة التي أطلق عليها “الموقّعون بالدم” والتي كانت ثمرة التنافس الشديد داخل أعلى المراتب في التنظيم.

ربما كان الهجوم المفاجئ والمثير على صناعة الغاز في الجزائر، محاولة من جانب بلمختار للتلويح بسلاح شهرته بوصفه أمير الحرب الجهادي الرئيس في المنطقة. لكن الهجوم كان مدفوعاً أيضاً برغبة بلمختار في الردّ بعد تدخّل فرنسا في مالي. فقد بدأت فرنسا شنّ ضربات جوية يوم 11 كانون الثاني (يناير) لوقف تقدّم المتمردين – بقيادة الجماعة الإسلامية “أنصار الدين” المدعومة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي القوي – من شمال مالي إلى باقي أنحاء البلاد.

تعمل جماعة أنصار الدين في شمال مالي فقط، بينما يتّخذ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من شمال مالي والجزائر مقرّاً له. نشأ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب في الجزائر، ومعظم قياداته من الجزائريين، ولاتعترف الجماعات الإسلامية المتطرّفة بالحدود في هذا الجزء من العالم. ولذا فليس ثمّة طريقة لتعزيز سمعته والانتقام أفضل من ضرب شريان الحياة الاقتصادية للنظام الجزائري الذي كان بلمختار يضايقه على مدى العقدين الماضيين.

بعد المأساة التي حدثت في الجزائر، تعهّد قادة العالم مرة أخرى بالرّد بقوة على الجماعات المتشدّدة المسلحة التي تجوب الصحراء الكبرى في شمال وغرب أفريقيا. إذ لا بدّ للتشدّد العنيف أن ينمو ويتوسع لو ترك لحاله.

مالي هي المكان الأول الذي ينبغي اتّخاذ موقف فيه، لكن لايمكن أن تقتصر الجهود على القيام بإجراءات لمكافحة الإرهاب فقط. ففي بيئة تتّسم بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والجريمة المنظّمة والفساد، يجب أن يكون تركيز المجتمع الدولي على بناء القدرات المؤسّسية وتعزيز التعاون الإقليمي.

ثمّة أمل بعد الهجوم على عين أميناس في أن تضع الجزائر نزعاتها السرّية والانعزالية جانباً وتتعاون مع الدول الأخرى لمساعدة مالي في معالجة المشاكل الأمنية والسياسية التي تواجهها.

مقاربة الجزائر الخاطئة في محاربة التشدّد

كانت الرسالة في هجوم عين أميناس واضحة. إذ لابدّ لمن يشكّكون في حزم الجزائر أن يخسروا الرهان. غير أن وحدات مكافحة الإرهاب في الجزائر ليست مدرّبة على مهمّات الإنقاذ التي تتطلب دقّة وعناية قصوى للحدّ من الخسائر في صفوف المدنيين. وقد أثبتت أزمة الرهائن حدود المقاربة الجزائرية في محاربة التطرّف العنيف.

يعود موقف الجزائر المتشدّد إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما شنّت المخابرات العسكرية في البلاد حملة وحشية وقاسية ضدّ المتمرّدين الإسلاميين الذين يمارسون العنف. فهي لم تتردّد في محاولاتها المتصلّبة لاجتثاث المتمرّدين، كما أنها لم تتنازل أمام الضغوط الدولية للتفاوض أو المساومة.

منذ نهاية التسعينيات، أراد الجزائريون أن يعطوا انطباعاً بأنهم حلّوا مشكلة “الإسلاميين”. ومع ذلك، وعلى الرغم من سياسة الاجتثاث المتصلّبة والاستقطاب التي مارستها، فشلت الدولة في القضاء على التشدّد المتبقّي داخل أراضيها.

في الواقع، لم تنجح الجزائر سوى في تدويل حربها مع الإسلاميين الساخطين. إذ بدأت عملية تحوّل المجموعات الإسلامية الجزائرية التي تمارس العنف، إلى لاعب إقليمي هام على صعيد الإرهاب قبل ما يزيد عن عشر سنوات مضت عندما طاردت القوات الجزائرية المقاتلين الإسلاميين في الجزء الجنوبي من البلاد. وبحلول العام 2003، كان الإسلاميون قد انتشروا في مالي وغيرها من دول الجوار.

شيئاً فشيئاً قدّم هؤلاء المتطرّفون الذين يمارسون العنف أنفسهم بوصفهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع المالي، وبنوا ووسّعوا بكثير من الصبر شبكة من الروابط الأسرية والدعم الاجتماعي والعلاقات السياسية والتبادل الاقتصادي. كما أقاموا صلات وثيقة مع المجتمعات العربية والمتمرّدين من عرقية الطوارق الذين ينتشرون عبر الحدود الوطنية، وشبكات لتهريب الوقود والمخدرات والأسلحة.

في أواخر العقد المنصرم، نجح المتطرّفون في بناء ملاذ إرهابي – إجرامي في شمال مالي. أصبح تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أفضل تنظيم إرهابي وإجرامي من حيث التمويل بفضل الخوات التي يفرضها على عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود والعدد الكبير من الفديات التي يبتزّها من الحكومات الغربية لإنقاذ حياة مواطنيها المخطوفين. وبحلول حزيران (يونيو) 2012، كان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قد سيطر بشكل كامل على شمال مالي بالتعاون مع القوات الإسلامية المسلحة لجماعة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا المنشقّة عن التنظيم.

راقبت الجزائر هذه التطورات بقلق بالغ، غير أن ردّ فعلها كان فاتراً. حيث لم تكن الموارد التي خصّصتها لمحاربة التنظيم خارج أراضيها تضاهي قدراتها.

في مالي، كانت الجزائر تأمل في البقاء على الهامش خلال أحدث دورة من التمرّد في البلاد. فقد ركّزت على تأمين حدودها واحتواء التهديد الإرهابي داخل حدود مالي والنيجر وموريتانيا، التي تجاور الجزائر إلى الجنوب.

حاولت الجزائر، حتى بدء التدخل العسكري الفرنسي المفاجئ في مالي، التفاوض لإيجاد حل سياسي للصراع من خلال الإيعاز بذلك إلى الجهات الفاعلة المسلحة التي لديها اتصالات معها. فقد كانت الجزائر وسيطاً دائماً في الصراعات بين حكومة مالي والطوارق في مالي، كما أن في الجزائر نفسها عدداً قليلاً من السكان الطوارق.

كانت الجزائر تركّز خصوصاً على جماعة أنصار الدين التي لاتسعى إلى تقسيم مالي بل إلى تطبيق الشريعة في جميع أنحاء البلاد. زعيم الجماعة المكيافيلي إياد آغ غالي، هو شخصية معروفة في الجزائر العاصمة، والتي راهنت على جعل آغ غالي وأنصاره يخفّفون علاقاتهم مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، ويُقبلون على التفاوض من أجل عقد اتفاق سلام مع باماكو. انسحب آغ غالي من المفاوضات مع باماكو في 7 كانون الثاني (يناير) 2013، ما وضع حدّاً لجهود الجزائر لضمان التوصّل إلى حلّ دبلوماسي للصراع في مالي.

كانت هناك علامات مشجِّعة على أن الجزائر أصبحت تدريجياً أكثر عملية وواقعية في مقاربتها للصراع في مالي لأنها بدأت تفقد السيطرة على جماعة أنصار الدين. فقد فتحت مجالها الجوي أمام الطائرات الفرنسية المقاتلة وأغلقت حدودها الجنوبية مع مالي عندما بدأ التدخّل الفرنسي.

في الواقع، منذ بداية الصراع الليبي في العام 2011 إلى الشرق من الجزائر، أصبحت البلاد أكثر استجابة للمشاكل في محيطها. فقد عزّزت وجود قواتها بشكل كبير على طرفي حدودها الشرقي والجنوبي وزادت عدد نقاط التفتيش وطلعات المراقبة الجوية لتتبّع حركة تجار المخدرات وتجار الأسلحة والإرهابيين الذين يمكن أن ينقلوا الصراعات عبر سلسلة من المناطق. وتم أيضاً تشديد الرقابة على المعابر الحدودية وإخضاع عمليات نقل البضائع للسيطرة والمراقبة. في كانون الثاني (يناير) 2012، اجتمع رؤساء وزراء الجزائر وليبيا وتونس في بلدة غدامس الليبية على الحدود الغربية، حيث اتفقوا على تشكيل فرق مشتركة لتحسين عمليات التنسيق الأمني على طول حدود بلدانهم التي يسهل اختراقها ووقف تدفّق المخدرات والأسلحة والوقود. ويعتبر منع تهريب الوقود أمراً بالغ الأهمية لأنه يتيح للمتشدّدين حرية الحركة.

شكا كبار مسؤولي مكافحة الإرهاب الأوروبيين والأميركيين، على مدى سنوات، من أن الجزائر لاتفعل مايكفي لمراقبة حدودها الجنوبية والسيطرة على الموارد التي تساعد مختلف الجماعات المسلحة على النمو والازدهار. إذ أن السيطرة على هذه الحدود ضرورية لإضعاف قدرات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب وتعطيل عملياته اللوجستية. وفي الصراع الحالي، إذا ما تم قطع الميزات التي يحصل عليها تنظيم القاعدة وحلفاؤه من الجزائر، فسيواجهون صعوبة في إطالة أمد القتال.

لذلك ليس من المستغرب أن نرى مسؤولي مكافحة الإرهاب الفرنسيين، الذين كانوا يشتبهون حتى أشهر قليلة خلت في أن الجزائر تلعب لعبة مزدوجة في مالي، يثنون على قرارها بإغلاق حدودها الطويلة مع مالي. فدفاع الرئيس فرانسوا هولاند الصاخب عن الهجوم الفتاك الذي شنته الجزائر لتحرير الرهائن، نابع من الحاجة إلى الحصول على مساعدة الجزائر في السيطرة على الحدود.

بدا أن ردّ فعل هولاند يتناقض بشكل صارخ مع ردّ فعل المسؤولين في الولايات المتحدة وبريطانيا، الذين بالكاد أخفوا شعورهم بالإحباط بسبب عدم إخطار الجزائر لهم مسبقاً قبل الغارة. فقد أراد البريطانيون أن تكون عملية الإنقاذ “صعبة” ولكن “ذكية”، بينما أراد الأميركيون لها أن تكون دقيقة ومدفوعة بمراقبة مفصّلة. غير أن الجزائريين فضّلوا “أسلوب المطرقة الثقيلة.”

ومع ذلك، فإن محنة الرهائن تمثّل بالنسبة إلى فرنسا فرصة لحشد مساعدة جزائرية ودولية لحملتها العسكرية في مالي. فمنذ استيلاء الإسلاميين على شمال مالي، دفعت فرنسا باستمرار باتجاه الخيار العسكري. إذ يخشى الفرنسيون من أن يهدّد استيلاء الجماعات الإسلامية المسلحة على شمال مالي مصالحهم الاقتصادية في المنطقة ويزعزع استقرار حلفائهم الأكثر أهمية في شمال أفريقيا. وقد دبّرت الهجوم على حقل الغاز في الجزائر في شمال مالي ونفّذته مجموعة من المقاتلين متعدّدي الجنسيات الذين عبروا من خلال النيجر وليبيا. وتفاقم هذا القلق إزاء التشدّد العابر للحدود بسبب التحوّلات الديمقراطية الصعبة الجارية في شمال أفريقيا.

الاضطرابات الإقليمية

إن مخاطر العدوى وتداعيات انتشار الصراع في مالي حقيقية. ففي المقابلات التي أجريت معهم، أعرب مسؤولون بارزون من حزب النهضة الحاكم في تونس، على سبيل المثال، عن قلقهم البالغ من أن تونس تتحوّل وبسرعة إلى ممرّ تهريب لتجار السلاح الذين يعملون بين ليبيا ومالي. فقد تكرّرت عمليات ضبط مخابئ الأسلحة الكبيرة، كما جرى في 17 كانون الثاني (يناير) عندما اعتقلت قوات الأمن التونسية أعضاء جماعة مسلحة وصادرت قذائف صاروخية وبنادق كلاشنكوف. ويمكن أن تصبح تونس أكثر من مجرّد طريق عبور عندما يعود التونسيون الذين يقاتلون إلى جانب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب إلى ديارهم من مالي وغيرها.

يُعرب أعضاء النهضة، في مجالسهم الخاصة، عن القلق من أن المشاركة الفرنسية المديدة في مالي قد تصبح نقطة جذب قوية لتجنيد الإسلاميين التونسيين الساخطين والسلفيين المتشدّدين. وهناك أيضاً قلق حقيقي من ردّ فعل عنيف ضد الدول الداعمة للتوغّل الفرنسي. فقد دعم المغرب الفرنسيين منذ البداية. وقدمت الحكومة الإسلامية في تونس دعماً فاتراً للمهمة الفرنسية، معلنة أنها تتفهّم الأسباب التي تقف وراء التدخل.

حتى الآن كانت الروابط عبر الحدود بين المسلّحين واهية، وتعتمد على الجشع والإجرام أكثر من اعتمادها على الإيديولوجيا. لكن الخشية تكمن في أن العصابات الجهادية والسلفيين المتشددين والمتمرّدين الذين ينتشرون بشكل واسع قد يتعاونون ويتوحّدون قريباً، ما يؤدّي إلى زعزعة استقرار الدول التي تمرّ بمرحلة الانتقال من الحكم الاستبدادي ولديها مؤسّسات أمنية ضعيفة. إذ تكافح السلطات التونسية، على سبيل المثال، من أجل إصلاح الأجهزة الأمنية المختلّة وتطوير قدرات قوات الشرطة والدرك لمواجهة التهديدات.

ثمّة خطر يلوح في الأفق حتى في البلدان التي لديها قوات أمنية قوية. فمنذ بدء التدخل الفرنسي في مالي، كان المغرب في حالة تأهّب قصوى. ومن المعروف أن العديد من المغاربة انضموا إلى الجماعات المسلحة في مالي. وتشعر البلاد بالقلق أيضاً إزاء الاستقرار في قطاع ضخم من الصحراء في الصحراء الغربية.

ماذا نفعل الآن؟

بعد أن تم إبلاغه بالتوغّل الفرنسي في مالي في 11 كانون الثاني (يناير)، تساءل الجنرال كارتر هام، رئيس القيادة الأميركية في أفريقيا قائلاً: “ماذا نفعل الآن؟” بطبيعة الحال يتمثّل الاختبار الحقيقي في مالي في الحيلولة دون تكرار الأخطاء التي أعقبت العملية التي قام بها حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليبيا، فضلاً عن غزو أفغانستان في العام 2001 والعراق في العام 2003. غير أن الردود العسكرية وحدها لن تهزم الجماعات الإرهابية أو تستأصل الإيديولوجيات العنيفة. فالجماعات المتشدّدة المسلحة قد تشبه بعضها بعضاً، إلا أن الظروف المحلية (السياسية والاقتصادية والأمنية) التي تدفعها للقيام بأعمالها تختلف وتحتاج إلى أن تُدرس بدقّة.

الهدف الذي حدّدته باريس لنفسها في مالي طموح، وهو يتمثّل بإعادة احتلال الشمال وهزيمة الجماعات المسلحة واستعادة الوحدة الوطنية في البلاد. ولكي يسكتوا أي اتهام لهم بممارسة الاستعمار الجديد، يسعى الفرنسيون جاهدين لإعطاء وجه أفريقي لتدخلهم من خلال المساعدة على إعداد وتجهيز الجيش المحلي في مالي وترتيب بعثة دعم دولية بقيادة أفريقية.

القوات المالية والأفريقية هي الحلقة الأضعف في خطة استعادة السيطرة على منطقة تزيد مساحتها عن مساحة فرنسا مرتين. فهذه القوات سيئة التدريب والتجهيز والتنظيم لن تكون جاهزة تماماً قبل أشهر عدة. كما أن مستواها المهني يشكّل مشكلة أيضاً. فقد التزمت نيجيريا، على سبيل المثال، بتوفير قوات لهذه المهمة. ولكن في نيجيريا، يؤجّج سلوك هذه القوات، والأضرار الجانبية التي تسببها في الواقع، عمليات التمرّد في البلاد، ويزيد من التعاطف الشعبي والتأييد لحركة بوكو حرام، المنظمة الإسلامية المحلية في نيجيريا.

من المرجّح أن يفضي التدخل الفرنسي إلى إخراج المقاتلين الإسلاميين المتطرفين من المدن الرئيسة والمراكز الحضرية في مالي ويدفعهم إلى اللجوء إلى الجبال الصحراوية الضخمة بالقرب من الحدود الجزائرية. ولذلك فإن التعاون الجزائري أمر بالغ الأهمية هنا، مثلما أن منع الانتقال عبر الحدود والحرمان من توفير ملاذ ضروريان لنجاح المهمة الفرنسية في مالي.

وقد يؤدّي التوغل الفرنسي أيضاً إلى تفاقم التوتّرات الطائفية وتأجيج العلاقات العرقية. وهناك خطر يتمثّل في احتمال أن يمارس الجيش المالي أو الميليشيات الأمنية أعمال انتقام ضد الطوارق والعرب من ذوي البشرة الفاتحة الذين شاركوا في التمرّد الذي طرد القوات المالية من الشمال. فقد أسفرت الصدامات بين الجيش والطوارق في ثلاث تمرّدات سابقة عن سوء معاملة مروعة بحق المدنيين.

كما يزيد التداخل بين المجموعات العرقية والجماعات المسلحة في غرب أفريقيا من احتمال امتداد الصراع إلى دول الجوار وتصعيد التشدّد والهجمات الإرهابية.

للتخفيف من المخاطر، يجب أن يكون التدخّل مصحوباً بإستراتيجية سياسية سليمة تتولى إدارة مصالح المجموعات المتباينة ويضّم ائتلافاً من النخب الرئيسة من كل الجماعات في شمال مالي، بما في ذلك الطوارق والعرب. ومن الملحّ أن تعرف السلطات المالية وحلفاؤها الغربيون بدقة الأطراف التي تدعم المنظمات المسلحة والسبب في ذلك.

لقد طوّر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي شبكات مثيرة في شمال مالي، على رغم أن وجود الجماعة يقوم على أسس غير مستقرّة. فتقلبات الارتباطات القبلية والولاءات العشائرية والتحالفات البدوية تجعل وجود التنظيم سريع الزوال، مثلما يفعل التوازن غير المستقرّ داخل وبين المجتمعات المختلفة التي تعيش في الشمال. وفي بيئة اجتماعية معقّدة حيث تتغير الولاءات باستمرار، فإن العديد من الأفراد مستعدّون لتبديل ولاءاتهم بسهولة إذا ما قُدّر لهم ن يستفيدوا من ثمار السلام.

لكن، من دون فهم التضاريس البشرية، سيكون من الصعب تجفيف قاعدة دعم المتشددين. وحتى لو تم إضعاف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب بشدّة، فإن التشدّد القائم على العشيرة أو العرق سيستمر.

هذه العناصر السياسية والإنسانية للمجهود الحربي في شمال مالي تبدو ضرورية لتحقيق الاستقرار في الشمال. ومع ذلك، لن يحدث هذا ما لم تحلّ الدولة في مالي أزمة شرعيتها وتفتح حواراً صادقاً مع السكان المحبطين في الشمال. فقد كان الشمال مسرحاً للتدهور البيئي والتغيير الديموغرافي والصراع على الموارد بين المزارعين والرعاة. وفاقم ضعف الإدارة وإهمال هذه المنطقة ذات المساحة الشاسعة التوتّرات العرقية والقبلية وخلّف المشاكل الهيكلية المهملة والمتمثّلة بالتخلف والفقر، والتي أنتجت ثورات الشمال في العام 1963، وفي تسعينيات القرن الماضي، وكذلك في الفترة بين 2006 و2009.

حتى الآن، تبدو الطبقة الحاكمة في باماكو مهتمة باستعادة الشمال وإعادة وضع سابق لا يطاق إلى ما كان عليه أكثر من اهتمامها بتيسير المصالحة الوطنية والتعافي وإعادة البناء. لكن ذلك يجب أن يتغيَّر. إذ أن وجود حكومة شرعية هو وحده الكفيل بمعالجة المظالم الملتهبة في الشمال. ويجب على القادة السياسيين في مالي إعادة بناء نظام سياسي – اجتماعي جديد يمنح الشمال حكماً ذاتياً حقيقياً ويقيم توازناً مناسباً بين الدين والدولة.

لكن ليس في وسع مالي أن تقوم بهذا وحدها، فهي ستكون في حاجة إلى مساعدة من المجتمع الدولي والدول المجاورة لمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. والجزائر على وجه الخصوص لم تعد تملك ترف البقاء خارج ما يتكشّف من أحداث في مالي، ولا هي تستطيع تحمّل تجاهل الروابط القائمة بين الإسلاميين الراديكاليين المحليين ومن يجوبون الأراضي البور الصحراوية في منطقة الساحل. ففي نهاية المطاف، يبقى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ظاهرة جزائرية. وحده الزمن كفيل بأن يكشف لنا ما إذا كان التحوّل في البلاد نحو سياسة خارجية أكثر براغماتية سيؤدّي إلى تغيير دائم في النهج.

—————

المصدر : موقع مؤسسة كلرينغي

-- أنوار بوخرص

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*