الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العالم العربي بين فكي كماشة التطرف والطائفية .

العالم العربي بين فكي كماشة التطرف والطائفية .

إن متابعة الأحداث والتقارير التي تنقلها وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية عما يجري في العالم العربي منذ اندلاع انتفاضة “الربيع العربي” ، تضعنا أمام صورة واضحة لكماشة تطبق على العالم العربي . أحد فكي الكماشة إيراني فيما الفك الثاني إرهابي قاعدي . 

فقد ظلت محاولات ملالي إيران الخمينية تصدير “الثورة الإسلامية” إلى بقية العالم العربي تواجه الفشل والفضح على مدى عقدين من الزمن . خلال هذه المدة كانت الأنظمة العربية على وعي واستعداد للتصدي للخطر الإيراني ؛ فجاءت القطيعة الدبلوماسية والثقافية كإجراء لمحاصرة المد الشيعي . كما استعانت الأنظمة السياسية العربية بالعقائد السلفية ظنا منها أنها ستحمي مواطنيها ومجتمعها من خطر التشيع والموالاة لنظام الملالي . 

قبل هذا التاريخ ، لم تكن إيران شاه بهلوي تشكل أدنى خطورة مذهبية أو أمنية على الدول العربية ، بل كانت العلاقة مع إيران ونظامها الملكي قوية ومتينة ؛ ولم تشْك دول الجوار من تدخل إيران في شؤونها الداخلية . لكن ، بعد قيام الثورة الخمينية تحول الوضع إلى تهديد مباشر لاستقرار الدول العربية ووحدة نسيجها المجتمعي . 

وقد لعبت عوامل دولية أفرزها اجتياح النظام العراقي لدولة الكويت سنة 90 دورا حاسما في إضعاف المقاومة العربية الرسمية والشعبية للمد الإيراني ونفوذه في المنطقة ، خاصة إبان تشكيل التحالف الدولي لتحرير الكويت وخططه المتعددة والمتداخلة لإضعاف نظام صدام من الداخل عبر دعم المعارضة في شقها الكردي والشيعي . كانت فرصة مواتية لإيران لبسط نفوذها على العراق والتحكم في ميكانيزماته السياسية والطائفية حتى بات مجالا حيويا لإيران خاضعا للتوجيه من ملالي قم . 

وبالموازاة مع التمدد الإيراني في العراق ، تقوى نفوذها في لبنان وسوريا وبات يشكل إستراتيجية جديدة لمواجهة مخطط الولايات المتحدة لتشكيل الشرق الأوسط الكبير . وهنا كان التحالف العضوي بين تنظيم القاعدة ونظام الملالي ، حيث وفرت إيران كل سبل وأشكال الدعم للقاعدة ولحركة طالبان لدحر الوجود الغربي/الأمريكي في أفغانستان والعراق . 

لقد أمّنت إيران حدودها مع أفغانستان والعراق وسوريا ووفرت الملاذ الآمن لرموز القاعدة ومقاتليها . ومن الذين تؤويهم إيران السعودي الحربي  المطلوب  ضمن قائمة ال47، والذي خدم تحت زعامة ياسين السوري والمعروف بأنه من كبار ممولي ومسهلي عمليات القاعدة في إيران،وهو متهم بالعمل مع شبكة تقوم بتسهيل تنقل نشطاء المنظمة والتمويل المادي عبر الأراضي الإيرانية . 

فضلا عن الدعم المالي والعسكري التي ستستفيد منه التنظيمات الموالية لتنظيم القاعدة في اليمن والصومال والساحل وسوريا. 

وتفيد الاعترافات التي أدلت بها  للسلطات الأمنية الجزائرية  عناصر منتمية لفرع القاعدة بالمغرب الإسلامي ، وضمنها شقيق عبد الحميد أبو زيد  أمير كتيبة طارق بن زياد  التي تنشط في منطقة الساحل والصحراء ، تفيد وجود مصادر تمويل جديدة لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي تتمثل في دولة إيران .‮ ‬

فقد أكد المعتقلون  بأنّ‮ ‬هناك اتصالات بين قيادة التنظيم وإيران لدعم عملياته الإرهابية بمنطقة  الساحل . وذكرت صحيفة ‮ ”‬النهار‮” ‬استنادا إلى مصادر مطّلعة على ملف القضية،‮ ‬أن أحد عناصر الدعم والإسناد بالتنظيم،‮ ‬والمسمى‮ ”‬غ‮.‬ع‮”‬،‮ ‬قال إن قادة التنظيم طالبوه بضرورة التنقل إلى دولة إيران بغرض تسلّم أموال موجّهة لدعم تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي . ‮.  

وليست هذه المرة الأولى التي يكشف فيها منتمون إلى القاعدة عن وجود علاقة بين إيران وتنظيم القاعدة . فقد تم رصد بداية العلاقة عامي 1992، 1993، من خلال اجتماعات جمعت بين مسئولين بالقاعدة وبين ضباط في الحرس الثوري الإيراني سنة 1993، تم الاتفاق خلالها على تدريب بعض عناصر التنظيم . 

وبالفعل  ذهبت عناصر التنظيم لتلقي التدريب في إيران التي هيأت  معسكرا خاصا لتدريب عناصر القاعدة في محافظة خراسان بالقرب من الحدود الأفغانية ، يشرف على تدريبهم مسئولون كبار في القاعدة والجيش الثوري ؛فضلا عن  وجود معسكر في محافظة كرمنشاه أو غيرها يشرف عليه عناصر من أنصار الإسلام والقراركة( فيلق بدر سابقا). 

ووسعت إيران من عمليات الدعم المخصصة لتنظيم القاعدة لتشمل فرعه في اليمن الذي تحول لتنظيم القاعدة في بلدان الجزيرة العربية . وحسبما صرح به محمد العوفي القائد الميداني لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، بعد فراره من اليمن وتسليمه نفسه للسلطات السعودية في 27 مارس عام 2009، فإن إيران كانت تشرف على تنسيق حوثي قاعدي في الساحة اليمنية. 

وما يؤكد هذه الحقائق هو إعلان الحوثيين قرارهم بعدم مهاجمة عناصر القاعدة بعد سقوط نظام صالح . كما سبق  أن كشفت  علاقة التعاون هذه ، رسالة وجهها زعيم التنظيم في أفغانستان أيمن الظواهري إلى القائد السابق في التنظيم أبو مصعب الزرقاوي يعود تاريخها إلى عام 2005  . حيث تنص الرسالة على ضرورة تجنب قتال إيران وعدم استهداف الطائفة الشيعية . 

وشدد الظواهري ً على أن من شأن أي مواجهة ضد الشيعة أن توتّر العلاقة بين التنظيم وطهران، وأشار فيها صراحة إلى أن «إيران والقاعدة يجب ألا يتقاتلا».

وما ينبغي التشديد عليه ، أنه كلما ازداد الضغط الدولي على إيران بسبب برنامجها النووي ، كلما عملت على تحريك التنظيمات الموالية لها لخلق أجواء التوتر وعدم الاستقرار في الدول المجاورة حتى تخفف الضغوط عنها وتوفر أوراق ضغط إضافية تفاوض بها عند اللزوم . هكذا يمتد الخطر الإيراني ليضرب في البحرين ويحرك أتباعه كمقدمة لزعزعة استقرار دول الخليج . بينما تنظيم القاعدة يتمم عملية تطويق  العالم العربي من جهة الغرب على امتداد منطقة الساحل والصحراء ليصلها بالصومال وليبيا وسيناء . فتكتمل دائرة الكماشة . 

وإذا لم تستوعب الدول العربية دقة المرحلة التي تتميز بانتفاضات عمياء تنقاد لمن هو أكثر تنظيما واستعدادا ، كما هو الحال في مصر وتونس  ، فإن  خطورة الاستراتيجية الإيرانية سيزداد مداها وتحكّمُها في الحراك الاجتماعي المصطنع . 

ونفس المخاطر تتهدد الكويت . وحسبنا هنا التذكير بموقف الأستاذ بيار عقل  صاحب موقع “الشفاف” الذي وقف منددا بما يجري في الكويت حيث كتب (  ولأننا مع “الربيع العربي”، فقد اعتبرنا التحرّكات التي قامت، وتقوم بها، المعارضة الكويتية “ردة” تقوم بها جماعات التخلّف والتعصّب والطائفية في الكويت ضد نظام، أياً كانت شوائبه وأخطاؤه، يمثّل أفضل ما في التجربة الدستورية والديمقراطية في منطقة الخليج ). 

ونفس الرأي سبق وعبر عنه الأستاذ جاسر بن عبد العزيز الجاسر في  صحيفة الجزيرة السعودية بتاريخ 12 نونبر 2012، حيث كتب (الأحداث في البحرين والتهديدات المتوالية من قبل أركان النظام الإيراني والمطالبة بتعظيم الدور الإقليمي لإيران على حساب الأمن العربي من خلال إمكانية عقد صفقة مقايضة مع القوى الدوليَّة للتخلي عن برنامج التسلح النووي مقابل منحها دورًا إقليميًّا يطلق يد النظام الإيراني في إقليم الخليج العربي والعراق وصولاً إلى سوريا ولبنان، وهذا يتطلب من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بالذات موقفًا واضحًا لا يقبل التلكؤ ولا التأجيل أو التردد، إذ يلاحظ أن مبادرة خادم الحرمين الشريفين للانتقال إلى مرحلة الاتحاد وبعد استنفاد مرحلة التعاون أهدافها والعجز عن صياغة تكتل يواجه الأخطار المحدقة، تكاد تختفي من الاهتمام الرسمي بعد أن عجز عن إيصالها إلى أهل الخليج.) . 

كما أن الحرب التي تخوضها القوات العسكرية التابعة لمجموعة إكواس بتحالف مع فرنسا ، في مالي حاليا ، تظهر بجلاء حجم الخطر الحقيقي الذي بات يشكله الإرهاب على أمن الدول العربية والإفريقية لدرجة أن جيش دولة واحدة بات عاجزا عن مواجهة العناصر المتطرفة . كل هذه المتغيرات الخطيرة تضع الأنظمة العربية أمام مسئوليتها الوطنية والتاريخية في التصدي للأخطار التي تحذق بالعالم العربي والتي أججتها  الثورات التي تجتاح عددا من دوله.

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*