الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » صناعة الإرهابي: (1) تقويض الطائفة الأم

صناعة الإرهابي: (1) تقويض الطائفة الأم

حين يعوّل علماء الاجتماع على شيء من التفسير النفسي لتفعيل النقد الاجتماعي في مجال الفنون والأدب، فإنهم لا يذهبون بعيداً عن الحقيقة، فعلم النفس لا يُهمل الدوافع الاجتماعية المؤثرة في سلوك الأفراد، حتى عندما يذهب فرويد إلى أن قوة الفرد مدمرة للحضارة إذا لم تُستبدل بقوة الجماعة المؤدية إلى حكم القانون، فإن علم النفس لا يُهمل كون القانون صيغةً من صيغ «الإكراه» الاجتماعية المؤثرة بوعي أو دون وعي في سلوك الفرد. 

وليس القانون وحده، وإن كان الشكل الأقرب إلى مفهوم الحضارة هو شكل الإكراه الاجتماعي الوحيد، فهناك شكل له علاقة بالأوامر الأخلاقية، وهو ما يرى فيه فرويد إكراهاً لا يقدّم الحلول لمأزق الحضارة مقابل النزوع الفردي للعدوان: «إن المساعدة للحضارة يمكن أن تأتي من تغيير في علاقات البشر مع ضبط الأنفس أكثر مما تأتي من الأوامر الأخلاقية» (الأنماط الثقافية للعنف، ص128). 

إلا أن ظاهرة الإرهاب، لمن يتتبعها، تعدد أنماطاً من الإكراهات الاجتماعية التي ليس من بينها القانون، وأولها هو ما عدّه فرويد مجرد نمط إكراهي، إن لم يزد من الدافعية للتدمير، لا يقدّم حلولاً لأنه مجرد أوامر أخلاقية تبدأ بالمراحل الأولى للتعليم لتستمر فيما يليها من مراحل التعليم التي يحتكرها رجال الدين، وهي سلسلة طويلة يصعب سردها هنا، إلا أن صورة الوعظ المباشر ليست هي الصورة الوحيدة للإكراه الاجتماعي، إذ نجد إكراهاً اجتماعياً له علاقة بالامتيازات الاجتماعية كما له علاقة أيضاً بالإغراء.

إن آلية الإكراه الاجتماعي من خلال الدين تمثل نمط اشتغال مقصود يعي سلطة الدين في تنظيم حياة الأفراد، وفي إيجاد الاستقرار السياسي الذي بوجوده تتحقق الآلية الممثلة في حماية السيادة، يقول ماكس فيبر عن أثر الدين في السلوك الجمعي للأفراد: «إن الأديان تُشكِّل نمطاً في فهم ما يفعله الأفراد وفهم الطريقة التي يفعلونه بها، ويبدو الدين بمثابة الطريق الأسهل لفهم الحياة داخل المجتمع، بمقدار كونه يرسم نمطَ السلوك الحياتي ونمطَ التنظيم الاجتماعي والسياسي» (فلوري، لوران: ماكس فيبر، ص82)، ولأنه الأسهل لفهم الحياة الاجتماعية وضبط سلوك أفرادها اجتماعياً وسياسياً فإنه الحاضر أبداً، وبشكل محدَّد، لممارسة الإكراه الاجتماعي وتحقيق سيادة القبيلة/ الدولة، هذه السيادة التي ترعى ما انتخبته من صيغة دينية لأنها أوجدت ظروفَ تلقي هذه الصيغة الخاصة لخدمة استقرارها وإيجاد مبررات وجودها واستمرارها.

وفي ما يلي من مقالات سأناقش طريقة صناعة الشخصية الإرهابية من خلال صيغ الإكراه الاجتماعية المرتكزة بشكل أساس على فعل التديّن، فالمشكلة الأبرز للجماعات المتطرفة أنها رأت في السلطة الاجتماعية طائفةً أمّـاً فأرادت تقويضها، دون وعي منها أن هذه السلطة هي التي صنعتها بطريقة خاصة للاستفادة منها، ولو بقيت في الحدود المقبولة لأمكن التغاضي من قِبل السلطة الاجتماعية عن آليات عملها داخل المجتمع، فهي ما يجب تقويضه لإقامة الدولة التي يحلم بها رجال الدين.

إن هذا الاشتغال التقويضي هو جزء من فكرة نشوء الطائفة الدينية الجديدة: «إن نشوء طائفة جديدة على أساس ديني محض، يصطدم، بحسب فيبر، بالطائفة الأم. 

ويفترض التنافس بين هذين النوعين من الطوائف أن الانتماء إلى الجماعة الدينية أقوى من العلاقة الزوجية أو العائلية، وهو يقوّض الروابط التي تشد الفرد إلى أطره العائلية» (فلوري، لوران: ماكس فيبر، ص78). 

إلا أن الإشارة إلى شطط الجماعات المتطرفة حين تحارب السلطة الاجتماعية التي أوجدتها لا يعني أنها لم تتوجه إلى العائلة لتقويض سلطتها، فالجماعات الدينية لا تقبل وجود منافس قد يعيقها عن تحقيق أهدافها، فالشيخ قد يأمر الأتباع بترك المنزل الذي يعيشون فيه لوجود «معاصٍ» قد تتسبب في إدخال الأتباع «النار». أي أن هذا هو المدخل الأساس لتقويض سلطة العائلة بتصويرها على أنها سبب في الضلال والزيغ عن جادة الصواب. 

وتتعدد الأشكال المتكررة من مغادرة منزل العائلة والشجار مع الأهل، إلى أن يصل إلى تهديد سلطة الأب بوجود ابن متدين يستطيع محاسبة الأب والصراخ في وجهه، بل قد يصل الأمر إلى اتهامه بالضلال، أو أن يتحدى هذه السلطة ويحتال عليها، إلى أن نصل إلى الشكل النموذجي لعمل الجماعات الدينية ممثلاً في تقويض سلطة العائلة بكاملها من خلال تغذية الكراهية، فالابن يكره العائلة لمجرد أن لديهم منهجاً دينياً أكثر تسامحاً مع التعاليم الدينية. 

بل قد يصل الأمر إلى صدور فتاوى تجيز عقوق الوالدين وقطع الرحم لأن الفيصل في كل هذا هو التعاليم الدينية المتطرفة. 

وقد يصل الأمر بالإفتاء بجواز الكذب والاحتيال، باعتبار أن الآخر كافر أو فاسق، والآخر هنا لن يكون أكثر من أب أو أم أو أخت داخل هذه العائلة. 

وهنا ما يجب ملاحظته حول علاقة العائلة بالتكوين السلطوي للدولة، فالشيخ لا يبدأ بتقويض علاقة الإرهابي من أتباعه بالحديث عن الدولة، بل يبدأ بالعائلة أولاً، أي أن الأمر تراتبي، فأولاً يتم تقويض علاقة الأتباع بأسرهم، ثم بتقويض علاقة الأتباع بالدولة التي ينتمون إليها، ويكون ذلك من خلال نفس الآلية المتبعة في تقويض علاقة التابع بأسرته. 

حيث يبدأ الأمر، بعد تكفير الإرهابي عائلتَه، بالحديث عن الدولة وخروجها عن الدين وعدم جواز الانتفاع بشيء منها، ثم بوجوب مقاومة نظامها، ويصل إلى حد جواز الكذب على المسؤولين فيها، وجواز الانتفاع بمكتسباتها لخدمة الفكر المتطرف من خلال فتاوى تجيز الكذب والاحتيال، وهو ما يصفه ماكس فيبر بالطابع المقدس للشخصية الدينية التي تريد السيطرة على أتباعها: «تستند السيطرة التقليدية إلى الإيمان بالطابع المقدس للتقاليد، وللذين يسيطرون باسم التقاليد» (فلوري، لوران: ماكس فيبر، ص88)، ومن يسيطر على التقاليد هو الشخصية الكارزمية كما يضيف فيبر: «إن أزمة الكنائس تُفضي إلى ظهور شخصيات كارزمية جديدة وألفيين وسلفيين، يجربون هم أيضاً حظهم في إقامة سلطة اجتماعية عن طريق الإشراف على عمليات التقديس، وتتحول السلطة الدينية إلى (كنيسة) حين يتشكل جهاز كهنوتي محترف» (فلوري، لوران: ماكس فيبر، ص80)، فالكهنوت هو الوصف المنسحب، في أي دين، على كل جماعة تنزع إلى أخذ شكل خاص على أيدي أفراد كارزميين يشكلون سلطتهم من خلال السرّ المقدّس: «سر الكهنوت أحد أسرار الكنيسة السبعة، وبه يتولّى الكاهن سلطة تلاوة القُدَّاس وتقديس الذبيحة والحِّلُ من الخطايا» (معجم الرائد، 748).

————

نقلاً عن الشرق 

-- حامد بن عقيل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*