السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كيف تفكر وتعمل الكتلة السوداء..؟ 1-2

كيف تفكر وتعمل الكتلة السوداء..؟ 1-2

يبدو أن الساحة الثورية في مصر لا تزال حبلى بالمفاجآت عندما ظهرت في شوارعها جماعة «بلاك بلوك» مع الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، رغم أنها سبق أن ظهرت مع أحداث الثورة في مواقع التواصل الاجتماعي بالإنترنت في صفحات بالفيسبوك، إحداها باسم «الكتلة الثورية السوداء». 

وإذا كنا لا نعرف بوضوح أعضاء هذه الجماعة وما هي توجهاتهم وماذا يريدون وكيف يعملون، وهل هم نتيجة لتداعيات الثورة أم عنصر أساسي في صنعها.. وكيف ستكون علاقتهم مع التيارات السياسية ومع الدولة؟.. فهم لا يتحدثون لوسائل الإعلام، باستثناء نزر يسير، مثل بيانهم الأول بأنهم جزء من منظومة عالمية تسعى إلى تحرير الإنسان وهدم الفساد.. ومثل ما أوضحت الصحفية «سارة كار»، بأن عضواً في مجموعتهم ذكر «الفوضوية». كما أن إطلاق الجماعة على نفسها اسم بلاك بلوك (الكتلة السوداء) وهو الاسم المستخدم في الغرب للجماعات الفوضوية، إضافة إلى أن أعمالهم وأشكالهم تشابه الأخيرة؛ لذا فإنه قبل محاولة التعرف على هذه الجماعة في مصر من الأجدى أن نعرف الجذور الفكرية والعملية في منشئها. 

تنتمي جماعة بلاك بلوك في الغرب إلى مذهب الفوضوية، الذي يؤمن بالتحرر من كل أشكال القهر والتحكم المتجسدة في نظام الدولة بحجة أن قلة متنفذة تستغل الأغلبية. والدولة في نظر الفوضوي غير شرعية وغير مخولة لتطلب الطاعة من مواطنيها لأن ذلك اعتداء على ذاتية الإنسان. فعلى عكس الاعتقاد الشائع بأن الدولة ضرورة لكبح عنان الأنانية أو عنف الأفراد ضد بعضهم، فإن الفوضوي يرى أن الناس بطبعهم أخيار يتعاطفون مع بعضهم، وعقلانيون بإمكانهم إدارة حياتهم دون تهديد الدولة، لكن هذه الصفة الفطرية تفسد بسبب البناء التراتبي الظالم للدولة.. لذا يدَّعي الفوضوي أن مذهبه لا يقود إلى الفوضى العمياء الشاملة كما يعتقد الناس، بل إلى تناسق النظام الطبيعي الفطري للبشر. 

وكان أول ظهور حديث للفوضويين إبان الثورة الفرنسية 1789م، أطلق على مجموعة راديكالية متطرفة تعارض وجود الحكومة والقانون والمُلكية. وتقوم فلسفتها على النظرة المتفائلة لإمكانات البشر الذي تراهم طيبين بطبعهم لكن يفسدهم خبث الساسة وتراكم أرباح قلة مستغلِة من المُلاك على حساب الغالبية الكادحة. في تلك الأثناء صدر كتاب عن العدالة السياسية 1793م للمفكر الإنجليزي ويليام جودوين الذي يرجع له الفضل في إعطاء الاعتبار للفوضوية، رغم أنه لم يستخدم هذا المصطلح كمذهب سياسي. 

جودوين أيد أفكار الفوضويين في الثورة الفرنسية لكنه رفض أساليبهم العنيفة.. فهو لا يعتقد أن جميع أنواع التحكم الحكومي غير أخلاقية، بل يقر بالحاجة إلى الحكومة على المدى القصير، معرباً عن أمله بأن الوقت سيأتي عندما يكون ذلك غير ضروري، حينها يظهر المجتمع المثالي، حيث الناس (رجال ونساء) يتعاونون بشكل متناغم على قاعدة التساوي التام بينهم والعمل المشترك في جمعيات تحكم نفسها لصالح الجميع دون التأثير الفاسد للقوانين الغاشمة من الدولة. 

أفكار جودوين أثرت بشدة في المفكر الفرنسي برودون فكان أول من أعلن مذهب الفوضوية وأول من أطلق على نفسه لقب فوضوي؛ ونال شهرته من كتابه «ما هي المُلكية؟».. عام 1840م، ويجيب على هذا السؤال بأن المُلكية هي سرقة. فمثلما أدان جودوين تراكم المُلكية لأنها مصدر الاستغلال، فإن برودون هاجم حقوق المُلكية لأنها تتيح لمالكي الأراضي استغلال جهد العمال المستأجرين عبر جني الأرباح وتراكمها في شكل عقد الإيجار.. لكنه ليس ضد الممتلكات الشخصية لوسائل الإنتاج كالأدوات والأرض باعتبارها حقوق أساسية للفرد الحر للحصول على ضروريات معيشته.. لذا اقترح اتفاق اجتماعي سماه «التبادلية» عبر اقتطاع حيازات صغيرة تديرها جمعيات تعاونية مستقلة يشترك فيها العمال بإرادة حرة وتبادل عادل للبضائع، بحيث يكون هذا النظام المشاعي قائم على تبادل المنفعة على أساس الحاجة وليس الربح. 

وإذا كانت أفكار برودون سلمية فإن برامج الفوضويين من بعده تراوحت على مدى واسع من اجتماعية سلمية إلى سياسية عنيفة تؤمن بقتل قادة الدول والمؤسسات الرأسمالية لإسقاط الدولة وإقامة مشاعية كما طرح المفكر الروسي باكونين ت 1876. لذا ظهر فوضويون قاموا بقتل قادة الدول.. ومن أشهر ضحاياهم الرئيس الفرنسي سادي كانو 1894، ورئيس وزراء إسبانيا كاستيلو 1897، والملك الإيطالي أومبيرتو 1900، والرئيس الأمريكي مكينلي 1901. ولننتبه هنا بأن المشاعية الفوضوية غير الشيوعية الماركسية، فإذا كانت الأولى تتفق مع الأخيرة بأنها ضد الحرية الرأسمالية للدولة باعتبارها ظالمة فهي أيضاً ضد النظام الشيوعي للدولة باعتباره عبودية كما قال باكونين. 

وفي مطلع القرن العشرين ازدهرت الفوضوية في مجال النقابات الانقلابية في أوروبا وأمريكا، كثورة اجتماعية لشل مفاصل الدولة وإسقاط الرأسمالية، وبلغت ذروة نشاطها في الثلث الأول من ذلك القرن، لكن الحركات اليمينية المتطرفة كالفاشية والنازية قمعتها بوحشية قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية.. ومع موجة الثورة الثقافية في الستينيات عاد نشاط الفوضويين مع جماعات الخضر زاعمين أن حماية البيئة لا تتناسق مع وجود البناء السياسي للدول القائمة على النظام العالمي الذي تهيمن عليه القيم الرأسمالية الغربية. 

أما ظهور الفوضويين باسم بلاك بلوك (الكتلة السوداء) فقد كان في بداية الثمانينات في ألمانيا عبر المظاهرات ضد الأسلحة النووية، وقيامهم بأعمال تخريب.. حينئذ ارتدى غالبيتهم الأقنعة والملابس السوداء لتعزيز الشعور بالوحدة وتفادي الاعتقال. بعد ذلك امتد نشاطهم إلى أمريكا، ففي عام 1989 احتجوا في البنتاغون، وفي عام 1991 احتجوا ضد حرب الخليج، وفي 1999م ظهروا في مسيرة معادية لاجتماعات منظمة التجارة العالمية بسياتل الأمريكية وهو ما لفت أنظار العالم إليهم. وفي 2008 جابوا طرقات سانت بول الأمريكية محطمين نوافذ البنوك وسيارات الشرطة… إلخ. 

من كل ذلك نستنتج أن عمل هذه الجماعات في الغرب هو تكتيكي وليس إستراتيجياً رغم أن لديها إستراتيجية فكرية برفض نظرية الدولة لصالح الحكم الذاتي والجمعيات التعاونية المشاعية. وفي عملها التنفيذي ترفض القنوات السياسية التقليدية مستعيضة عنها بتكتيكات العمل المباشر في التخريب الفوضوي ضد العولمة الرأسمالية. أما وسائلهم من حيث سلمها أو عنفها، فرغم أنهم يقومون بإتلاف الممتلكات والتظاهر التخريبي فإنهم يتجنبون استخدام العنف ضد الناس. يتبع..

alhebib@yahoo.com 

—————————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عبد الرحمن الحبيب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*