الإثنين , 5 ديسمبر 2016

تركيا وأكرادها

طيلة صراعها مع أكرادها لم تستطع تركيا استغلال مواقف الكرد الإيجابية من الدولة التركية، بل غضت حكومات تركيا المتعاقبة البصر عن التنازلات التي قدمها الكرد، بدءا من اعتذار عبد الله أوجلان بعد اعتقاله بأيام لأمهات الجنود الذين قتلوا في حربها مع كريلا (حزب العمال الكردستاني)، وانتهاء بصيحات أمهات الشهداء الكرد (أمهات السلام) لطي صفحة الحرب وفتح صفحة السلام.

وتاريخ تركيا السياسي والصراع مع الكرد غني بمواقف الكرد الإيجابية من الحوار والتفاوض، حيث نداءات حزب السلام والديمقراطية الموالي للعمال الكردستاني، ونداءات ليلى زانا الكثيرة والشهيرة للسلام، إلى درجة مزقت أذن الأوروبيين، في الوقت الذي غطت فيه حكومات تركيا أذنها لنداءات هذه المناضلة العريقة الحائزة جائزة السلام من الاتحاد الأوروبي.

والحق أن «العمال الكردستاني» تغير كثيرا في سياساته تجاه السياسات التركية التي ما زالت تصدق وجهة نظر العسكر على حساب وجهة نظر أعرق كتاب زوايا صحفها، فحكومات تركيا المتعاقبة لو سمعت فقط نصائح كتابها ومثقفيها لكانت تركيا الآن في موقع أهم مما هي عليه.

المتابع للصراع الكردي – التركي يدرك أكثر من الجميع أن «العمال الكردستاني» استطاع خلال نزاعاته المريرة مع السلطات التركية أن يغير من سياساته وأفكاره، والكل يعرف أن «العمال الكردستاني» ربما يكون الحزب الوحيد بين الأحزاب الكردية صاحب نظرية «كردستان الكبرى»، لكن سرعان ما تراجع عن هذا الشعار الكبير إلى الإدارة الذاتية (الديمقراطية)، محافظا على حدود الدولة، هذا فضلا عن أن سياسة الشراكة السياسية باتت سياسته الأولى، حيث لا يمر محفل انتخابي (البرلماني أو الإدارة المحلية) إلا وحزب العمال في مقدمة المشاركة الفعلية تصويتا وانتخابا، ومن أكثر من 15 عاما يحصل مناصرو «العمال الكردستاني» على عشرات من رؤساء البلديات، وحتى بلدية ديار بكر التي تسعى تركيا وتحول دون حصول الكرد عليها، يحقق «العمال» نجاحات باهرة في هذا المجال. علاوة على ذلك، فإن «العمال» استطاع تحقيق إنجازات مهمة على صعيد التسرب إلى مؤسسات الدولة الديمقراطية، مثلا لديه عشرات من البرلمانيين ولديه حزب موال قوي يعمل ويؤمن بمدنية الثورة، ويعمل داخل أروقة الحياة الحزبية التركية (حزب السلام والديمقراطية)، إضافة إلى مؤسسات حقوقية وثقافية، وعقده للمؤتمرات الثقافية والاجتماعية التي يحضرها غالبية الكرد حتى من الأجزاء الأخرى من كردستان.

إشارات «العمال الكردستاني» قوية لتركيا، وتحثها على ضرورة انسجام حكومات تركيا مع استحقاق المرحلة التركية؛ ففي الوقت الذي كان «العمال» يعادي فيه الحزبين الكرديين في كردستان العراق، والصديقين لتركيا، يرى العمال أن الحزبين هما الحليفان القويان من ضمن القوى الكردية، ولو أدركت تركيا أن هذا التقرب «الخيالي» من قبل «العمال» إلى عمق حلفائها ما هو إلا اختبار لـ«العمال» على أنه قادر على ترك السلاح في حال تفتح تركيا حيزا له للعمل السياسي النشط، والرسالة القوية التي وجهها «العمال» إلى تركيا كانت عبر المساحة الكردية السورية، مفادها أن «العمال» يستطيع أن يتخلى عن «قنديل»، المعقل العسكري، ويشارك المجتمع ثوريا وسياسيا ومدنيا عبر التشارك مع بقية السوريين، حيث صار «الاتحاد الديمقراطي» جزءا من المعارضة السورية من خلال عضويته في هيئة التنسيق الديمقراطي «معارضة الداخل»، ونعتقد أن تركيا تدرك دلالة وجود أو انخراط العمال في الداخل السوري، فهو إنقاذ تركيا من عقدتها في «القنديل»، حيث له دلالة عسكرية وتوجيها لنظرتها (نظرة تركيا) إلى الداخل السوري على أنه بإمكان «الاتحاد الديمقراطي» (الموالي لـ«العمال الكردستاني» التركي) بناء أفق من العلاقات مع تركيا، إلا أن تركيا هي التي تغض الطرف عن هذه الخطوات، فقد رفضت لقاء «الاتحاد الديمقراطي» في هولير (أربيل)، ولم تقبل زيارة الوفد الكردي تحت اسم «الهيئة الكردية العليا»، عندما دعت تركيا المجلس الوطني الكردي، قبل شهر من الآن.

وقد يتفق الكثير معنا في أن الوقت قد حان لأن تراجع تركيا حساباتها من جديد، على الأقل لأجل أمهات الضحايا من الكرد والترك، ومن أجل سمعتها كدولة قوية في الشرق الأوسط، حيث إن لدى الكرد أيضا رغبة قوية في أن تقلب صفحة الحساسية الطاغية في علاقة الكرد مع تركيا صاحبة أقوى تراث سياسي ودبلوماسي وثقافي في المنطقة، ومن مصلحة شعوب المنطقة أن تخفف من النزاعات العرقية، خصوصا أن هناك أرضية صلبة لبناء مشاريع السلام سواء من خلال مطالبة عبد الله أوجلان بالسلم وإجراء الحوار، أو من خلال مراد القيادات الكردية في كردستان العراق للدخول في الحوار الأخوي بين الشعبين، طالما أن كليهما خسر من هذه النزاعات التي لا جدوى منها ولا تقدم فائدة لشعوب المنطقة ككل.

بقي القول إنه لأجل استحقاقات منطقة الشرق الأوسط وكون الظروف تفرض على الجميع أن ننتقل إلى مرحلة أخرى من العلاقات (بين الشعوب) خصوصا أن الثورة السورية ترجمت على الأرض أن لأجل الكرامة يمكن أن يقبل الإنسان أن يعيش الحياة البدائية، وقبول الجوع والمرض والتشرد لأجل تحقيق تطلعات الشعوب، فإن الكرد ليسوا بعيدين عن هذا التوجه، ولذلك يريدون أن تحقق حكومة «العدالة والتنمية» بيئة للسلام لا بيئة للحرب، لأن بيئة الحرب لم تحقق شروط الديمقراطية التي تسعى تركيا لبلوغها بتأنٍّ.

———

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- فاروق حجي مصطفى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*