الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إيران في أفريقيا.. ولكن ماذا عن العرب؟

إيران في أفريقيا.. ولكن ماذا عن العرب؟

لم يعد سراً في أن ثمة دولًا تسعى للعب دور إقليمي في المنطقة، وكل منها تستند على عوامل عدة ويأتي في مقدمتها تركيا، إيران وإسرائيل.

الهدف من القيام بهذا الدور وفق رؤية تلك الدول هو لتحقيق حيز اكبر من النفوذ الاقليمي ومزيد من التأثير والمكانة الدولية لدعم مصالحها.

ولعل المتابع لما يجري في المنطقة يلحظ أن ثمة تداعيات طفت على السطح، لعل أهمها بروز الطرح الطائفي بالمنطقة، ومخاطر الانقسام والصراع ما بين السنة والشيعة، فضلاً عن ظهور المد الإيراني المؤثر في ملفات المنطقة.

ويرى البعض أن “الصراع ما بين الدولة العثمانية السنية والدولة الصفوية الشيعية والذي استمر عقودا من الزمن شهدت العراق أبرز أحداثه”. ويشدد كل من الكاتبين علي شريعتي، وحسن العلوي على ان ذلك مثل شرخا وتصدعا في نسيج المجتمعات الإسلامية لاسيما وان طموحات الدولة الصفوية في السيطرة والهيمنة كانت سببا في اثارة الخلاف العقائدي بين المسلمين.

الوضع الإقليمي يتسم بدرجة كبيرة من السيولة السياسية والفكرية والثقافية، ولذلك لم تعد التحالفات العربية التقليدية ذات جدوى لاسيما في صعود إيراني مقلق، ما يعني ضرورة اتفاق العرب في ما بينهم على حزمة المصالح ونوعية التهديدات

الحقيقة أن هنالك انطباعا عاما تبلور لدى الكثيرين يصور إيران بوصفها خطرا جديا على الأمن الإقليمي والدولي. وقد أسهم في ذلك برنامجها النووي، وتصريحات مسؤوليها غير اللائقة تجاه دول الجوار، ناهيك عن تدخلاتها السافرة في شؤون دول المنطقة مع ان أكثر المستفيدين من السياسة الأميركية وأخطائها من أفغانستان الى العراق هي ايران.

على أي حال يكفي ان تراقب الحضور الايراني في أفريقيا لتفهم البعد الاستراتيجي للسياسة الايرانية التي تهدف بالطبع الى كسب تأييد الدول الأفريقية لمواقفها السياسية، خاصة وقد شهدت العلاقات الإيرانية – الأفريقية نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة ما يعني امتلاكها لأدوات تمكنها من المساومة فى مواجهة الضغوط الدولية، مقابل تراجع واضح للدور السياسي العربي في أفريقيا. وهو ما كشف عن خلل استراتيجي بدا ملموساً على الاصعدة السياسية والاقتصادية والدينية اي ضعف الحضور السني مقابل الشيعي، بل إن طهران باتت تستفيد من ممارسات وسلوكيات الجماعات المتشددة في مالي ونيجيريا والمرفوضة شعبيا من اجل تسويق الفكر الشيعي.

هذا الغياب العربي دفع بقوى اقليمية كإيران لملء هذا الفراغ والاستفادة منه ايما استفادة بدليل انه في عام 2009 على سبيل المثال قام كبار المسؤولين الإيرانيين بنحو عشرين زيارة لأفريقيا وبالتالي لا وجه للمقارنة هنا مع زيارات العرب النادرة.

ومما يدلل على اهتمام الايرانيين ايضا استضافتهم لمنتدى التقارب الفكرى بين إيران وأفريقيا في طهران، بمشاركة ممثلين لأكثر من 30 دولة أفريقية من بينهم رؤساء دول ووزراء خارجية وغيرهم من النخب الاكاديمية والاقتصادية والعلمية لتدعيم التعاون ما بين الطرفين.

عزف أحمدي نجاد في خطابه الاستجدائي آنذاك على وتر التاريخ الاستعمارى فى القارة الأفريقية مذكرا اياهم بما فعلت القوى الغربية بأراضيهم وأجدادهم، زاعما أن إيران تسعى لتحقيق المصالح الأفريقية كون توجهاتها تختلف عن “القوى الغربية والفاعلين الإقليمبين الآخرين الذين يسعون إلى استغلال الأفارقة”.

ولذلك فانه يتبين لنا هنا وبوضوح ان الغاية الايرانية ما هي إلا البحث عن حلفاء مناوئين للقوى الغربية فى العالم.

طبعا الدبلوماسية الايرانية هنا تحاكي النهج الاسرائيلي في التغلغل في أفريقيا لاستقطاب اصوات تلك الدول لتقف الى جانبها في صراعها الدبلوماسي مع الغرب بشأن برنامجها النووي او ربما اتجه الصراع الى اكثر من ذلك. في حين ان الاقتصاد من المغريات لطهران في قارة خصبة لجذب الاستثمارات الأفريقية إليها، وتعزيز التبادل التجاري وتسويق المنتجات الإيرانية.

غير أن إيجاد الحوزات الشيعية في دول المنطقة، أمر طبيعي تقوم به إيران لترويج التشيع، ولذلك فهي تشجع تكاثرها وتدعمها ماليا ومعنويا، فهي تكرسه ليس من مبدأ ديني وإنما لدعم مخططاتها السياسية.

ناهيك عن أن “الفقر والجهل اللذين تعانيان منهما القارة، يفسحان المجال للنشاط الدعوي الشيعي القائم على منظومة متكاملة من العمل الخيري والطبي، والتعليمي، في بيئة تسمح بتمرير معتقدات شيعية خالصة باسم الإسلام لدى البسطاء ومحدودي الثقافة الدينية”. ( دراسة أمير سعيد “إيران المتجهة إلى أفريقيا تبشيراً واستثماراً”).

إن الالتفات الإيراني لهذه القارة المقهورة، ليس فقط لترويج المعتقد كما قال احد الدعاة بل “للاستثمار والهيمنة وإيجاد موطئ قدم لها على أرض الكنوز الدفينة”.

اذن الخطر قائم ومنذ عام 1979 وإيران تسعى لتكثيف وجودها في أفريقيا.

يقول شريف شعبان في كتابه “السياسة الخارجية الإيرانية في أفريقيا”: “إن محورية الاهتمام الإيراني بالقارة الأفريقية وبأقاليمها المختلفة، علامةٌ بارزة في عملية صنع السياسة الخارجية الإيرانية وصياغتها، وذلك لتقوية الحضور الإيراني، وتنويع أدواته المستخدمة، وفي مقدمتها “القوة الناعمة”، بما تتضمنه من تعاون في مجالات الإمداد بالنفط، وبناء المستشفيات والمدارس، والإمداد بالمعدات الزراعية، وتقديم المنح والقروض المالية”.

وفي هذا السياق، ورغم القناعة بغياب النظام العربي الاقليمي وضعف استراتيجيته لدعم ادواره الإقليمية إلا اننا لابد من ان نقف امام ما حدث منذ سنوات عندما حاول خادم الحرمين بلورة مشروع عربي لمواجهة ما يطرح في المنطقة من مشاريع إقليمية كانت أم دولية.

هذا المشروع في تقديري كان يرتكز على تعزيز المصالحة العربية، وقبل ذلك إدارة الأزمات والخلافات العربية بالحوار والمصارحة، فضلا عن عدم السماح لأطراف خارجية من أن تخطف القضايا العربية، ورغم ان المثل يقول ان اليد الواحدة لا تصفق إلا ان هذا الجهد جاء كمحاولة لإعادة بناء التضامن العربي وتعزيز النفوذ الاقليمي وإن لم يكتب له النجاح لعدم توفر الارادة السياسية للقادة العرب.

ومع ذلك علينا ان نعترف بأن المشهد العربي الراهن يعكس حالته وبامتياز حيث تأخذنا الاشتباكات الفكرية والصراعات الطائفية كثيراً إلى غير المكان الذي نريده؛ وهي تحديات مريعة ما يحتم التعاطي معها ومواجهتها.

إن الوضع الإقليمي يتسم بدرجة كبيرة من السيولة السياسية والفكرية والثقافية، ولذلك لم تعد التحالفات العربية التقليدية ذات جدوى لاسيما في صعود إيراني مقلق، ما يعني ضرورة اتفاق العرب في ما بينهم على حزمة المصالح ونوعية التهديدات ومواقع النفوذ لمواجهة التمدد الإيراني وخلق حالة من توازن القوى في المنطقة..

—-

نقلاً عن الرياض 

-- د. زهير فهد الحارثي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*