الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العلاقات المصرية –الإيرانية: مد وجزر

العلاقات المصرية –الإيرانية: مد وجزر

العلاقات التاريخية بين مصر وإيران تعود إلى عهد قورش الكبير (حكم في ما بين 558 ـ 529 ق. م)، حيث جرت اتصالات بين بلاط هذا الملك الهخامنشي والبلاط الفرعوني، ثم مع ظهور الإسلام انضوت إيران ومصر تحت راية التوحيد وبالتالي قامت العلاقات بينهما على نحو مختلف عما كانت عليه قبل الإسلام، وقد سجل التاريخ شواهد متعددة على اختلاط الإيرانيين بالمصريين في العهود المتوالية، الفاطمي، الأيوبي، المملوكي، العثماني، وكان يفد إلى مصر كثير من العلماء والمتصوفة الإيرانيين، من أمثال الليث بن سعد الفقيه المعروف، وعبد الله بن طاهر الذي ولاه المأمون العباسي على مصر، والشاعر ناصر خسرو، صاحب كتاب «سفرنامه» في وصف مصر، الذي يتضح منه انه كانت هناك علاقة تجارية بين البلدين، فضلا عن الشاعر سعد الشيرازي ونظيره الصوفي فخر الدين العراقي.

بعد ذلك وفي العهدين الملكي والجمهوري لمصر، كانت القاعدة هي التوتر في العلاقات بين مصر وإيران, على الأقل ابتداء من منتصف القرن الماضي, باستثناء سنوات معدودة أعقبت التحولات التي حدثت في السياسة الخارجية المصرية نحو الولايات المتحدة عقب حرب أكتوبر 1973, تبعها تحسن وتطور في العلاقات المصرية الإيرانية, هذا التحسن كانت له نتائجه على صعيد تطور العلاقات المصرية الإيرانية.

وبتوقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل, التي أعقبت سقوط نظام الشاه في إيران وقيام نظام الجمهورية الإسلامية, عاد التوتر وبعنف إلى هذه العلاقات بعد أن أصدر الإمام الخميني قراره بقطع العلاقات مع مصر, بناء على طلب مباشر من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات, عقابا لمصر على توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل.

فيما يلي نستعرض أهم المحطات- بين البلدين – على التوالي :

عهد الملك فاروق

كانت طبيعة العلاقات الإيرانية ـ المصرية طيلة عهد الملك فاروق وحتى عام 1955، عام قيام حلف بغداد وانضمام إيران إليه، كانت عادية في جوانبها المختلفة ولم تشهد تحولات رئيسية خلال هذه الفترة، وذلك لاعتبارين: الأول ان مصالح البلدين لم تكن قد اتسعت وتشابكت إلى الحد الذي قد يفضي إلى توتر أو صدام بينهما، والثاني أن العلاقات بينهما لم تكن قد تعرضت لمحك عملي على مستوى السياسة الخارجية المباشرة تجاه بعضهما البعض من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تكن هاتان الدولتان قد تعرضتا لآلة الاستقطاب التي تعرضتا لها خلال عقدي الخمسينات والستينات من القوتين العظميين، ومن ثم اكتفى البلدان بمجموعة من السياسات والتحركات الدبلوماسية التقليدية والمعتادة.

وساعد الاحتلال البريطاني لكلتا الدولتين في تلك الفترة  في توحيدهما، وان تكون إحداهما صدى لما يحدث من أعمال نضالية ضد بريطانيا في الدولة الأخرى، خاصة أن الدولتين عانتا من ويلات الحرب العالمية الثانية، إذ أن اجتياح القوات البريطانية والسوفياتية للأراضي الإيرانية وإجبارها رضا شاه بهلوي على التنازل عن العرش عام 1941، وتكريس بريطانيا لسيطرتها على الخليج العربي قد توازى زمنيا مع اجتياح القوات الألمانية والبريطانية للأراضي المصرية في شمال غربها وتكريس بريطانيا لسيطرتها على قناة السويس، بل وكادت الضغوط البريطانية أن تطيح بالملك فاروق عن العرش عام 1942 .

عهد جمال عبد الناصر

 مثل تزامن ثورة 23 يوليو 1952 مع وجود حكومة مصدق الإيرانية الوطنية إحدى حلقات الاتفاق في التوجهات السياسية للبلدين، وباتت الأهداف المشتركة، عاملا مهما للتجاذب، وأهمها سحب حكومة مصدق الاعتراف الإيراني بإسرائيل في يوليو (تموز) 1951 وهو ما سبب ارتياحا مصريا وعربيا، وكان محل تقدير مصر التي كانت تعتبر إسرائيل العدو الأول لها والمصدر الحقيقي للتهديد الماثل أمامها، كما ان الكفاح المشترك ضد بريطانيا، بالإضافة إلى أن مصدق خاض عملية التأميم بشراسة، وهو ما كان مثار اهتمام عبد الناصر بدءا من تطورات الحركة الوطنية أثناء أزمة البترول وحتى خروج الانجليز من الميدان بعد التأميم، كل هذا ساعد في تقوية العلاقات، إضافة إلى مسارعة الحكومة الإيرانية إلى الاعتراف بالثورة المصرية وتأييدها لها.

وعند قيام حلف بغداد عام 1954، الذي شاركت فيه إيران كان من أهم المتغيرات التي حدثت للمنطقة وأحدثت تغييرا لمكونات النفوذ بها تحت وطأة حالة الاستقطاب التي تعرضت لها من قبل الدول العظمى، وبالقدر نفسه أصبح أحد نقاط تعارض المصالح الإيرانية المصرية وتضادا مباشرا لمجمل توجهاتهما السياسية، وكذلك نقطة اختراق بينهما ظهرت نتائجه بعد أعوام قليلة، ويرجع التباين إلي أن مصر كانت ترى ان الخطر والتهديد المحتمل مصدره إسرائيل، بينما روسيا ليست خطرا محدقا، نظرا لعدم وجود حدود مشتركة بين مصر والاتحاد السوفياتي، في حين كانت إيران ترى أن المصدر الحقيقي للخطر هو الاتحاد السوفياتي الذي كان الشاه خائفا من احتمال هجومه على الأراضي الإيرانية، كما ان مصر كانت ترى ان سياسة الأحلاف التي تعقد بين البلدان العربية والدول الكبرى غير موثوق بها، فيما كان الشاة يرى ان انضمام إيران للحلف سيحقق له تدعيم مركزه في الداخل والخارج، أيضا مصر كانت ترى أن الحلف يتناقض مع مبدأ الحياد، بينما كانت إيران قد تخلت عن سياسة «التوازن السلبي» التقليدية عقب الإطاحة بمصدق.

عهد أنور السادات

رحب شاه إيران محمد رضا بهلوي -الذي كان يوصف بأنه رجل أميركا في المنطقة كما أن إيران كانت تعترف بإسرائيل- بتصريح الرئيس المصري أنور السادات بأن حل قضية الشرق الأوسط بيد الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 99% وأن الوقت قد حان لإقامة تحالف إستراتيجي معها، وأن الحروب ضد إسرائيل قد ولت. وتبادل الزعيمان السادات وبهلوي الزيارات وأقامت الدولتان علاقات دبلوماسية كاملة، واستمر هذا الحال إلى عام 1979 وهو العام الذي شهد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة آية الله الخميني وهروب الشاه.

توجست مصر خيفة من شعارات الثورة الإسلامية الوليدة، وراحت ترقب بقلق نذر تصعيد الخلافات الإيرانية الأميركية. وأغضب إيران قرار مصر استضافة شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي بعد أن رفضت الولايات المتحدة استضافته.

وما إن أقدمت مصر على توقيع معاهدة السلام بينها وبين إسرائيل في مارس/آذار 1979 حتى بادرت طهران بقطع العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة.

وبعد اغتيال السادات في أكتوبر/تشرين الأول 1981 أطلقت إيران اسم قاتله خالد الإسلامبولي على أحد شوارع طهران الرئيسية. وهو ما بات عامل توتر إضافيا في العلاقات ولم تفتأ مصر من مطالبة إيران بإزالة ذلك الاسم.

عهد حسني مبارك

شكل تأييد مصر العراق في حربها إيران -التي استمرت من عام 1980 حتى عام 1988- العامل الأقوى في التأثير على العلاقات. إلا أنه وبرغم تأييد مصر للعراق فإن الحملات الإعلامية بين البلدين انتهت مع بداية تولي حسني مبارك رئاسة مصر.

وفور انتهاء الحرب نشطت الوفود المتبادلة بين الدولتين على مستوى الفرق الرياضية والفنية والفلكورية ثم على مستوى الوزراء في مناسبات دولية وإقليمية مختلفة، واستمر الخط البياني للعلاقة في تصاعد إلى عام 1990 وهو العام الذي غزا فيه العراق الكويت، فبدأت العلاقات المصرية الإيرانية تأخذ منحى آخر.

فقد رحبت مصر بالقوات الدولية التي حشدتها الولايات المتحدة لإخراج العراق من الكويت، بل واشتركت بنفسها في تلك القوات بفرقة عسكرية كاملة، وبعد هزيمة الجيش العراقي عام 1991 وتحرير الكويت بقيت القوات الأميركية في منطقة الخليج.

وقد اعتبرت إيران بقاء هذه القوات والاتفاقات الأمنية التي وقعتها مع دول الخليج لحمايتها وإقامة قواعد عسكرية في تلك الدول تهديدا لأمنها القومي.

في المقابل اعتبرت مصر أن من حق دول الخليج أن تستعين بمن تشاء لحمايتها لا سيما وأن أمن الخليج كما رأت مصر لا يخص الخليجيين وحدهم وإنما هو قضية عالمية تبررها حاجة القوى الكبرى في العالم إلى الطاقة.

وبالرغم من أن قضية أمن الخليج مثلت إحدى معوقات تطوير العلاقات المصرية الإيرانية فإن الملاحظ أن البلدين راحا يعملان على تحسين العلاقات فيما بينهما، فاستمرت زيارات الوفود، وعادت العلاقات الدبلوماسية على مستوى مكاتب رعاية المصالح عام 1991، وأيدت مصر عام 1999 انضمام إيران إلى عضوية مجموعة الـ15 وسعت لإقناع بعض دول أميركا اللاتينية التي كانت رافضة لهذا الانضمام، وتبادل الرئيسان حسني مبارك ومحمد خاتمي التهنئة تلفونيا بعد انضمام إيران عام 2000 في المؤتمر الذي استضافته القاهرة آنذاك.

ولم يؤثر تباين وجهات نظر الدولتين بشأن القضية الفلسطينية وسبل حلها على مستوى العلاقات السياسية آنذاك، فعلى الرغم من أن إيران تدعم المقاومة الفلسطينية، ومصر تدعو إلى السلام كوسيلة للوصول إلى اتفاقات تؤسس لدولتين فلسطينية وإسرائيلية فإن هذا التباين لم يكن عائقا كبيرا أمام تطوير العلاقات المصرية الإيرانية.

وقد وصلت العلاقة بين البلدين عام 2003 إلى مرحلة متقدمة عبر عنها اللقاء الذي جمع الرئيسين محمد خاتمي وحسني مبارك في سويسرا على هامش مؤتمر قمة المعلوماتية.

وفي عام 2004 عادت أجواء التوتر تخيم من جديد على علاقة البلدين ولم يغير فيها قرار إيران برفع اسم خالد الإسلامبولي عن أحد شوارع طهران وإعادة تسميته بشارع الانتفاضة، إذ أعلن النائب العام المصري في السابع من ديسمبر/كانون الأول عن إحباط أجهزة الأمن المصرية محاولة إيرانية لزرع جاسوس مصري يدعى محمد عيد استطاع دبلوماسي إيراني يعمل في القاهرة تجنيده، وقال بيان النائب العام إن هذا الجاسوس كان يخطط للقيام بعمليات تفجير في مصر والمملكة العربية السعودية وهو ما نفته إيران.

ثم تدهورت العلاقة بين البلدين نحو الأسوأ على خلفية النفوذ الإيراني المتزايد في العراق، واشترطت مصر قبل التفكير في تطبيع العلاقة بينها وبين إيران أن تثبت الأخيرة حسن نواياها وجديتها بالعمل لإعادة الأمن والاستقرار إلى العراق، واعتبرت ذلك شرطا لابد من تحقيقه قبل التفكير في إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.

إلي أن وقعت مصر وإيران أول برتوكول بينهما، منذ قطع العلاقات الدبلوماسية، يقضي باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين القاهرة وطهران بمعدل 28 رحلة جوية أسبوعيا، في الثالث من أكتوبر 2010.

عهد محمد مرسي

يُعد الرئيس محمد مرسي أول رئيس مصري يزور إيران بعد قيام الثورة الإسلامية، كان ذلك للقمة ال16 لحركة عدم الانحياز  المُفتتحة في طهران بتاريخ 30/8/2012 .

وعُدت  زيارة مرسي إلى طهران خطوة غير مسبوقة، حيث تدهورت العلاقات بين البلدين بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979 بسبب استقبال مصر شاه إيران المخلوع عقب الثورة، ووقوف مصر إلى جانب العراق خلال حرب الخليج الأولى.

بالمقابل وصل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى القاهرة 5/2/2013 في أول زيارة يقوم بها رئيس إيراني للبلاد منذ نحو 34 عاما. وذلك لحضور القمة الإسلامية التي تنطلق 6/2/2013.

******

المصادر

-العلاقات المصرية الإيرانية.. رؤى مختلفة ومواقف متباينة (محمد عبدالعاطي/الجزيرة نت14/2/2007)

-العلاقات المصرية الإيرانية في عهد مبارك (محمد السعيد إدريس/مركز الجزيرة للدراسات 13 أكتوبر 2011)

-القاهرة وطهران.. تاريخ من التعاون والتنافس (عرض كتاب: “العلاقة بين القاهرة وطهران والمحددات والإسرار” للدكتور سعيد الصباغ/ محمد ابو زيد/ جريدة الشرق الأوسط 5 سبتمبر 2004)

– ماذا تحمل زيارة مرسي لعلاقات مصر وإيران؟ (فرح الزمان أو شعير/ الجزيرة نت 30/8/2012)

– هل دخلت العلاقة بين مصر وإيران مرحلة جديدة؟ (بي بي سي 28أغسطس 2012)

-خط القاهرة طهران يعود بعد 30 عاما (الجزيرة نت  5/10/2010)

-انظر: العلاقات «المصرية – الإيرانية»: محطات متوترة وتقارب حذر (تسلسل زمني) (المصري اليوم 31/8/2012)

-أيضا انظر: العلاقات المصرية الإيرانية (الجزيرة نت 3/10/2004)

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*