الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » القيم المجتمعية بين الواقع والطموح

القيم المجتمعية بين الواقع والطموح

بعيدًا عن التنظير ولغة الكتب والمحاضرات، يبحث المجتمع السعودي اليوم عن ماضٍ جميلٍ كان يعيش فيه، متمثلًا قيمًا خالدة تربَّى عليها ونشأ، وهو اليوم يبحث عنها، وقد اختفت وتلاشت، أو في أحسن الأحوال بهتت، وأصبح المجتمع يُردِّدها كمدلولات ومفاهيم لغوية، قد يعي بعضًا منها، والبعض الآخر لا يعرف سوى منطوق هذه القيمة.

كم نتغنَّى بقيم الصدق والعدالة والشفافية، والأمانة والوضوح والاحترام، وتقبل الآخر وحسن الخلق والبر وغيرها من القيم المتعددة، ولكننا نعاني كثيرًا حتى ممَّن نعتقد بأنهم يُمثِّلون قدوة لأفراد المجتمع؛ الواقع في أحوالهم يُخالف ما يتكلمون عنه وما يُنادون به.

ما رأيكم بمدير يُطالب موظفيه الالتزام بالوقت المحدد للحضور والانصراف، وهو أول من يتهرب من الدوام، وآخر يُنادي بالعدل وهو الظلم بعينه، يُقرِّب مَن يشاء، ويُبعد مَن يشاء لهوى في نفسه، بل هناك مَن يتعمَّد أن يبعد المتميّز والمُبدع لأنه يَخاف أن يكشف عورته وضعفه، ولا يترك مكانه إلاّ وقد زكَّى مَن هو أقل منه، حتى إذا جاء الوقت ليتولَّى هذا الشخص حينها يفرح بما يرد إلى مسامعه بأن أيامه كانت أفضل.

ما أستغربه حقًّا أن الإنسان لو استطاع أن يكذب على كلِّ مَن حوله كيف يستطيع أن يخدع نفسه ألاّ يجلس لثوانٍ يُحاسب هذه النفس الأمّارة بالسوء، وكيف سيواجه ربه يوم الحساب، عجبًا لأمر الإنسان، كم يخدعه غروره وتكبّره وتجبّره، وصحته وعافيته اليوم.. غدًا سيُغادر الدنيا بعمله فقط، لا منصب، ولا جاه، ولا مرؤوسين يُزيّنون له عمله.

التقيتُ في حياتي بنماذج قيادية أفخر بها، كانت ومازالت تُقدِّم الرعاية للمتميّزين، وعلى الجانب الآخر المظلم عايشتُ أُناسًا ملأ الحقد قلوبهم، وهذه أمراض القلوب لا علاج لها إلاّ برقابة داخلية ومحاسبة للنفس، لن تستطيع أن تغير إنسانًا هو بالأصل لا يعترف بخطئه.

استحضروا معنى الحديث النبوي الذي يتحدَّث عن السارق حين يسرق، والزاني حين يزني، بأنه مُجرَّد في تلك اللحظة من إيمانه، وكل جريمة يقترفها المرء في حق مجتمعه، ينطبق عليها هذا الأمر؛ عندما يتمادى الطغاة في طغيانهم هم في حالة من اللاوعي، ويُزيِّن لهم شيطانهم غيّهم وظلمهم وعدوانهم. فما لا يُحاسب عليه من قبل جهة رقابية عليا، لا يمكن تقويم حال هؤلاء البشر إلاّ بقوة السلطان والنظام، ليتوقف تيار الفساد والخلل القيمي، لأن المتضرر في النهاية هو الوطن والمجتمع بأكمله، من المحزن حقًّا أن المجتمعات التي نطلق عليها بأنها “بلا دين يحكمها” تلتزم بقيم أخلاقية إنسانية متعارف عليها، وهم لا يؤمنون بيومٍ آخر، فما بال إيماننا، ما الذي حل به بعد طول زمان، أم هو طول الأمل، ونسيان الموت، الذي لابد أن يكون حاضرًا أمام أعيينا، حتى لا نطغى ولا تعجبنا أنفسنا، فوالله لن يشفع لنا تفريطنا في الأمانة، كوننا مسلمين لم نطبّق ديننا كما يرضي ربنا، وحتى لا يكون قرآننا شاهدًا علينا لا لنا يوم القيامة، اللهم اجعل القرآن حجةً لنا لا علينا، ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يخشاك.

Majdolena90@gmail.com

——————-

نقلاً عن المدينة

-- منى يوسف حمدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*