الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل ثورات العرب..أمريكية؟! (3)

هل ثورات العرب..أمريكية؟! (3)

أمريكا تربح حتى الآن من وجود نظام متشدد في طهران، وتراهن على الربح أيضاً من وجود الإخوان المسلمين في مصر!

ينحني التاريخ أمام حقائق القوة، فهي التي تكتب صفحاته وتثري سجلاته، وترصد وقائع التاريخ عبر مسيرته الطويلة، كيف يخوض الأقوياء مغامراته، دون وجل، معولين دائماً على قدرتهم – بالقوة- على تصحيح الأخطاء ، بل وتحقيق المكاسب من ورائها، وكلنا نعرف كيف اصطنعت واشنطن جماعات الجهاد الإسلامي في أفغانستان للإطاحة بالسوفييت، وكيف خرجت تلاحقهم بعدها في كهوف تورا بورا، وكيف تخرج طائرات الدرون (بدون طيار) لاصطيادهم كل يوم.

علاقة الغرب مع تيارات الإسلام السياسي، هى إذن واحدة من أبرز فصول تلك المعادلة «النوم مع العدو» وهذا ما يكشفه -مثلاً- كتاب «شؤون سرية» لمؤلفه مارك كورتيس، 

Secret affairs –by Mark Curtis)

يؤكد كورتيس وهو مؤرخ وباحث بريطاني بالمعهد الملكي للشؤون الدولية، أن جماعات الإسلام السياسي من إخوان وسلفيين، ظلت على مدى أكثر من ستين عاماً «لعبة بأيدي الاستخبارات الامريكية والبريطانية بصفة خاصة، (الألمانية والفرنسية وحتى السويسرية بدرجة أقل) وأنه جرى استخدام تلك الجماعات لتحقيق غايات ومصالح تلك القوى بالأساس. وينتهى كورتيس قبل عام من اندلاع ثورات الربيع العربي الى القول بوجود «تحالف» مازالت أسبابه قائمة ،بين قوى دولية كبرى، وبين جماعة الإخوان المسلمين.

ويكشف كورتيس أن لجماعات الإسلام السياسي على مدى ستين عاماً، خمس وظائف أساسية لخدمة السياسة البريطانية ومن بعدها الأمريكية هى:

* تقويض «التيارات» القومية والقوى المدنية في العالم الإسلامي(من باكستان الى المغرب)

* استخدام جماعات الاسلام السياسي لزعزعة استقرار الحكومات المناوئة للغرب.

* خوض الحروب بالوكالة عن القوى الغربية العظمى وهو ما حدث عام 1966 في أندونيسيا للإطاحة بسوكارنو، وفي أفغانستان في الثمانينيات للإطاحة بالاتحاد السوفييتي السابق.

* استخدام قوى الإسلام السياسي كأدوات لإحداث تغييرات مواتية للغرب،وهو ما حدث في إيران عام 1953 عندما تحالف الغرب مع آية الله كاشاني للإطاحة بحكومة مصدق الوطنية.(وقتها وصفوا كاشاني بأنه ديكتاتور مستعد لتسوية بشأن النفط بشروط ميسرة)!!

* تقويض «النظم» القومية ودعم النظم الموالية.

منهج استخدام قوى الإسلام السياسي لتحقيق مصلحة غربية استمر في ايران بعد ذلك، وأكاد أجزم بأن عودة الخوميني إلى طهران في فبراير 1979، ما كانت لتتم لولا دور فرنسي واضح في احتضانه تحت مظلة الحريات الفرنسية الوارفة التي اتاحت له قصف مواقع الحكم الشاهنشاهي عبر أشرطة الكاسيت من نوفيل لو شاتو في باريس الى قصر الشاه في طهران، ولولا دور أمريكي ظن أن خوميني سيرد للاستخبارات الغربية الجميل، اذ ظنت ادارة الرئيس الأمريكي كارتر، أن الخوميني تلميذ آية الله كاشاني، هو زعيم اسلامي «معتدل» يمكن التفاهم معه للتخلص من التيار الوطني وقوى اليسار بزعامة حزب تودة الشيوعي الذي كانت تخشاه واشنطن لعلاقته الوثيقة بالسوفييت.

وبرغم فضيحة احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران على مدى 444 يوماً، فقد مررت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية الى الخوميني ،في عام 1982 ( في عهد الرئيس ريجان) قائمة بأسماء قيادات حزب تودة الشيوعي، حصلت عليها من عميل سوفييتي، وقام الزعيم الايراني على اثرها بإعدام عشرات القادة واعتقال آلاف النشطاء في حزب تودة.

وكلنا نعرف ونتابع الآن ما آلت اليه علاقات واشنطن بالخوميني وخليفته خامنئي، ونرصد معارك الولايات المتحدة للجم الطموح النووي الايراني، فهل أخطأت واشنطن بدعمها لإسقاط الشاه محمد رضا بهلوي قبل أربعة وثلاثين عاماً؟!.. الإجابة من وجهة نظر أمريكية: أبداً لم نخطىء.. فقد أتاح النظام الإيراني القائم، حالة من استشعار الخطر في المنطقة كسبت من ورائها واشنطن الكثير، ربحت من الحرب العراقية -الايرانية، وربحت من الغزو العراقي للكويت، وربحت بغزو العراق، وهى تربح حتى الآن في معركتها حول الملف النووي الايراني، وباختصار فإن التحالف مع قوى الاسلام السياسي في طهران للاطاحة بالشاه السابق قد آتى أكله، والصراع مع نفس القوى، يؤتي هو أيضا أكله.

ما حدث في إيران وإندونيسيا وأفغانستان، من تحالفات «مريبة» بين الغرب وقوى الإسلام السياسي، يحدث الآن في الشرق الأوسط، حيث التحالف بين واشنطن وبين جماعة الاخوان المسلمين في مصر، وفروع الجماعة في الجوار بليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وفي سوريا والعراق ومنطقة الخليج.. هذه العلاقة ليست اكتشافاً ولا اختراعاً مستحدثاً، لكنها استطراد لمشهد قديم كشف عنه الكاتب البريطاني ستيفن دوريل في كتابه ( «إم آى 6 « مغامرة داخل العالم السرى لجهاز المخابرات البريطانية ) وفيه يفضح دوريل حقيقة العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الاستخبارات البريطانية ثم الامريكية، الى جانب كل من ألمانيا ثم سويسرا- حيث انطلق التنظيم الدولي للاخوان من مسجد في جنيف- ويقول الباحث البريطاني، ان اسم سعيد رمضان زوج شقيقة حسن البنا مؤسس الجماعة،كان على قائمة الرواتب بالمخابرات المركزية الأمريكية، وان المخابرات البريطانية استخدمت جماعة الإخوان المسلمين في محاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1954،وبالتعاون مع سعيد رمضان قام ضابطا المخابرات البريطانية نيل ماكلين وجوليان آمري بتنظيم حركة مضادة لعبد الناصر من الإخوان المسلمين( طبقا للوثائق البريطانية) رتبت للاطاحة به أثناء عدوان 1956 .

علاقة أمريكا بقوى الاسلام السياسي وفي القلب منها جماعة الاخوان المسلمين، ما تزال قائمة لتحقيق ذات الاهداف الخمسة التي حددتها السياسة البريطانية في أربعينيات القرن الماضي.. رهان أمريكا القوية قائم على أن بوسعها دوما أن تربح أو أن تحول خسائرها الى أرباح، وهى طبقاً لتقديرات خبراء أمريكيين تربح حتى الآن من وجود نظام متشدد في طهران، وبوسعها أن تربح أيضا من وجود الاخوان المسلمين في مصر… قد تبدو الفوضى البناءة مكلفة بالنسبة لواشنطن الآن، لكن المرحلة التالية التي تحمل عنوان «الاشتباك البناء» مع جماعات الاسلام السياسي قد تعوض واشنطن عن خسائر الفوضى البناءة. 

moneammostafa@gmail.com

—————-

نقلاً عن المدينة 

-- عبدالمنعم مصطفى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*