الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السمات الاجتماعية.. والقدرات الوطنية!!

السمات الاجتماعية.. والقدرات الوطنية!!

لا أحد يستطيع أن يقول إن هذا التشخيص بعيد عن واقع عربي يمكن تعميمه على بلدان أخرى، فهو لن يكون محصوراً بقطر عربي دون آخر رغم التفاوت بين التجارب العربية والسمات الخاصة للمجموعات البشرية..

في كتاب عالِم السياسة الأمريكي مورجان ثاو (السياسة بين الأمم) يرى أن الرؤية الاستراتيجية في أي بلد يجب أن تقوم على ضوء الربط بين المصلحة الوطنية من جهة، والقدرات الوطنية من جهة أخرى.

الربط بين المصلحة الوطنية والقدرات الوطنية مسألة لا تطال الدول والمجتمعات فقط ولكن تطال حتى الافراد. فلايمكن لمن تكون تطلعاته أكبر من إمكاناته أو قدراته أن يمضي في استراتيجية تحقق أهدافه.. فغالبا تكون تلك قفزات في الهواء وربما تختلط فيها أوهام القدرة بحقائق الامكانات..

وهذا قد يترتب عليه إسقاط رؤية لازالت تدور في حلقات الفشل.

وإذا كانت المصلحة الوطنية لا تحتاج إلى ايضاح، فإن القدرات الوطنية فيها المتغير والثابت. المتغير يتمثل في الأوضاع الاقتصادية وجودة الأداء وحسن الادارة.. أما ما هو ثابت في القدرات الوطنية فيتمثل في أمرين، أولهما الجغرافيا وما يترتب عليها من مواقع وموارد طبيعية، وثانيهما ما أسماه مورجان ثاو بالطبع الوطني.

ويمكن التعبير عن الطبع الوطني بالسمات العامة للمجتمع أو الطبائع الاجتماعية والثقافية والذهنية في الشخصية العامة.

على أن مورجان يعتبر الطبع الوطني ثابتا، إلا أنه في جزء منه قابل للتغيير، وهو رهن تطورات تطال اساليب الحياة وانماط التفكير والتعليم ومنتجات التقنية والتواصل مع العالم الخارجي.. رغم الاقرار بأن هناك سمات عامة ثقافية واجتماعية لايمكن القفز فوقها باعتبارها تستمد روح البقاء والثبات من خلال قيم لايمكن تجاوزها.

ربما كان البحث في هذه المسألة يغيب الى حد كبير عن الباحثين في الشخصية العربية التي تربطها – حتى مع هذا التمدد الجغرافي الكبير والتباين النسبي على طول العالم العربي- سمات مشتركة باعتبارها تعود لطبيعة تكوين تلك المجتمعات والثقافة السائدة والقيم المركزية التي تكاد تكون مظلة كبيرة تتحرك داخلها جموع بشرية بقواسم مشتركة رغم اختلاف لايمكن أن يغيب عن ميدان ومجال البحث الاجتماعي.

ربما كان الباحثون المصريون من أكثر الباحثين العرب الذين حاولوا أن يقدموا شيئا حول الشخصية المصرية بما يطال الطبائع والقيم المتحركة والثابتة في تلك الشخصية. ومن هؤلاء الدكتور جمال حمدان في (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان)، ويرى بعض الباحثين أن ما يميز الدكتور جمال حمدان قدرته على التفكير الاستراتيجي؛ حيث لم تكن الجغرافيا لديه الا رؤية استراتيجية متكاملة للمقومات الكلية لكل تكوين جغرافي وبشري وحضاري ورؤية للتكوينات وعوامل قوتها وضعفها، وهو لم يتوقف عند تحليل الأحداث الآنية أو الظواهر الجزئية، وإنما سعى إلى وضعها في سياق أعم وأشمل وذي بعد مستقبلي أيضا.

كما أن من هؤلاء الباحثين الدكتورة نعمات فؤاد (شخصية مصرية)، والدكتور جلال أمين في كتابه (ماذا حدث للمصريين).

وهذا الكتاب محاولة مهمة في التفسير والتحليل للتحولات التي طالت سلم القيم في المجتمع المصري خلال العقود الستة الاخيرة.

وفيما أتذكر أيضا أن للباحث العراقي الكبير الدكتور علي الوردي بحثاً حول الشخصية العراقية. وقد استلهم في هذا الكتاب مناهج علوم الاجتماع لإسقاطها على أبعاد تلك الشخصية بمكوناتها الثقافية والحضارية.

وإذا كان بعض الباحثين اكتفوا بالوصف دون التحليل والتأصيل، فإن بعضهم ايضا عُني بإبراز الايجابيات دون السلبيات. كما أنه من المهم ربط تلك الطبائع بالقيم السائدة الثابت منها والمتغير، والوافد منها والمغروس في جسد الشخصية التي تستقي منها سمات وملامح الحضور عبر طيف من التكوينات الثقافية لايمكن تخطيها او تجاوزها.

يبقى ان يتم بحث الدور الذي لعبته العقود العجاف في الشخصية العربية وخاصة تأثيرها على ما سماه مورجان ثاو بالطبع الوطني، وأثر تلك العقود على ملامح الشخصية العربية في سماتها المشتركة حيال تحولات كبرى ضربت المنطقة العربية ولازالت وستظل تداعياتها تتوالى.

وستكون تلك السمات في الشخصية الوطنية عاملا مهما وحاسما في تجسير الفجوة بين التطلعات والامكانات، أو عامل إرباك وتعطيل وزيادة مساحة الفشل عند عبور مرحلة لايمكن تجاوزها بسمات معطلة كانت تتوارى خلف ظل الاستبداد.

وقد كشفت بعض تلك السمات عن نفسها من قمع التعبير الى فوضى التغيير.. بل الملاحظ أن هذا التطور قاد إلى فوضى شارعٍ غارق في سمات شخصية سهلة الانقياد وسهلة التوظيف.

إلا أن من مميزات هذا الطبع أنه يمكن أن يتغير من مرحلة إلى أخرى؛ حيث يرى البعض أنه في أطوار المد والعافية يعبر الناس عن أفضل ما فيهم. أما سنوات الجزر والانكسار فهي تستخلص من الناس أنفسهم أسوأ ما فيهم. ويؤيد ذلك عبدالرحمن الكواكبي في كتاب طبائع الاستبداد، حيث يربط بين الاستبداد وفساد الأخلاق.

والمراقب لهذه التطورات والاحداث في المجتمعات العربية وخاصة في المراحل الحاسمة للتغيير، يدرك ان اللحظات العصيبة تُخرج أجمل ما في شخصية هذا الانسان، وأسوأ ما فيها أيضا..

ولعل قيماً مثل التضحية والتكاتف والتعاون تسجل عناوين باهرة في ازمات لايمكن إنكار مخاطرها على مجموع بشري يتعرض لحالة من الانهاك والتعطيل.. لكن ايضا ستبرِز في هذه المراحل غوغائية الشارع ومنتهزي الفرص وتجار الازمات..

في معرض تحليل الاستاذ فهمي هويدي للطبع الوطني في مصر يقول: “سنجد أن الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة في مصر، التي اقترن فيها الاستبداد بالفساد، أحدثت انقلابا هائلًا أدى إلى تشويه طبائع أجيال المصريين، وانقلابا مماثلا في منظومة القيم السائدة. فقد انتشرت السلبية والانتهازية والأنانية بين المثقفين السياسيين. وتراجعت قيم الانضباط والكد والاستقامة في أوساط العاملين، كما اهتزت الكثير من القيم الأخلاقية والسلوكية..

وفي تشوهات السلوك لا نستطيع أن نتجاهل تأثير الفقر وغياب القدوة والنماذج التي تحتذى، كما لا نستطيع تجاهل تأثير ثورة الاتصال التي نقلت العالم الخارجي بحسناته وسيئاته إلى كل بيت وكل الأجيال.. هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن المتحاورين المشتبكين والمتجاذبين أو المتشائمين هم إفراز أجواء التجريف والتصحر الذى عاشت مصر في ظله خلال العقود الأخيرة. وهي الأجواء التي لا تنتج سوى الشوك والمر اللذين نلمس أصداءهما بين الحين والآخر”.

أما الدكتور جلال أمين فهو يرى في كتابه “ماذا حدث للمصريين” أن ظاهرة الطبع الاجتماعي أو سمات الشخصية الاجتماعية.. لم تكن سوى ثمرة لمراحل كان للعامل السياسي والاقتصادي أكبر الاثر في تشكيل ملامحها. وهو يعمل على تشريح مراحل بأكملها تطال سلم القيم الاجتماعية التي تعرضت لأكبر هزة في مصر خلال العقود الأربعة الأخيرة.

لا أحد يستطيع ان يقول إن هذا التشخيص بعيد عن واقع عربي يمكن تعميمه على بلدان أخرى، فهو لن يكون محصوراً بقطر عربي دون آخر رغم التفاوت بين التجارب العربية والسمات الخاصة للمجموعات البشرية..

قراءة تلك التحولات هي مهمة باحثين اجتماعيين. وقراءة مشهد التغيير من وحي سلوكيات وانماط وعلاقات وطرائق تفكير.. ستكشف عن مكامن الخلل عند التصدي لمشروع قادر على استنهاض تلك المجتمعات..

————————–

نقلاً عن الرياض 

-- د.عبدالله القفاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*