السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بأي عقل ودين يكون التفجير والتدمير جهاداً؟! ويحكم…أفيقوا يا شباب!! (2)

بأي عقل ودين يكون التفجير والتدمير جهاداً؟! ويحكم…أفيقوا يا شباب!! (2)

ويدلُّ لخطورة الغلو في الدِّين والانحراف عن الحقِّ ومجانبة ما كان عليه أهل السنَّة والجماعة قوله صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه: «انَّ أخوفَ ما أخاف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى اذا رُئيت بهجته عليه وكان ردءاً للاسلام، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك، قلت: يا نبيَّ الله! أيُّهما أولى بالشرك: الرامي أو المرمي؟ قال: بل الرامي» رواه البخاري في التاريخ وأبو يعلى وابن حبان والبزار، انظر الصحيحة للألباني (3201).

وحداثةُ السنِّ مظنَّة سوء الفهم، يدلُّ لذلك ما رواه البخاري في صحيحه (4495) باسناده الى هشام بن عروة، عن أبيه أنَّه قال: «قلت لعائشة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السنِّ: أرأيتِ قول الله تبارك وتعالى: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، فما أرى على أحد شيئاً ألا يطوَّف بهما، فقالت عائشة: كلاَّ! لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح عليه ألا يطوَّف بهما، انَّما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهلُّون لِمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرَّجون ان يطوَّفوا بين الصفا والمروة، فلمَّا جاء الاسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}».

وعروة بن الزبير من خيار التابعين، وهو أحدُ الفقهاء السبعة بالمدينة في عصر التابعين، قد مهَّد لعُذره في خطئه في الفهم بكونه في ذلك الوقت الذي سأل فيه حديثَ السنِّ، وهو واضحٌ في ان حداثةَ السنِّ مظنَّةُ سوء الفهم، وأنَّ الرجوع الى أهل العلم فيه الخير والسلامة.

بأيِّ عقل ودين يكون التفجير والتدمير جهاداً

بعد هذا التمهيد بذكر ان الشيطانَ يدخل الى أهل العبادة لافساد دينهم من باب الافراط والغلوِّ في الدِّين، كما حصل من الخوارج والعصابة التي شغفت برأيهم، وأنَّ طريق السلامة من الفتن الرجوع الى أهل العلم، كما حصل رجوع ألفين من الخوارج بعد مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما، وعدول العصابة عمَّا همَّت به من الباطل برجوعها الى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.

بعد هذا التمهيد أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة! فانَّ ما حصل من التفجير والتدمير في مدينة الرياض، وما عُثر عليه من أسلحة ومتفجِّرات في مكة والمدينة في أوائل هذا العام (1424هـ) هو نتيجة لاغواء الشيطان وتزيينه الافراط والغلو لِمَن حصل منهم ذلك، وهذا الذي حصل من أقبح ما يكون في الاجرام والافساد في الأرض، وأقبح منه ان يزيِّن الشيطان لِمَن قام به أنَّه من الجهاد، وبأيِّ عقل ودين يكون جهاداً قتل النفس وتقتيل المسلمين والمعاهدين وترويع الآمنين وترميل النساء وتيتيم الأطفال وتدمير المباني على من فيها.وقد رأيت ايراد ما أمكن من نصوص الكتاب والسنة في مجيء الشرائع السابقة بتعظيم أمر القتل وخطره، وايراد نصوص الكتاب والسنة في قتل المسلم نفسه وقتل غيره من المسلمين والمعاهدين عمداً وخطأ، وذلك لاقامة الحجة وبيان المحجَّة، وليهلك مَن هلك عن بيِّنة ويحيى من حيَّ عن بيِّنة.

وأسأل الله عزَّ وجلَّ ان يهدي من ضلَّ الى الصواب ويخرجهم من الظلمات الى النور، وأن يقي المسلمين شرَّ الأشرار، انَّه سميع مجيب.

ما جاء في تعظيم أمر القتل وخطره في الشرائع السابقة

قال الله عزَّ وجلَّ عن أحد ابني آدم: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وقال الله عزَّ وجلَّ: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي اسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تُقتل نفس ظلماً إلاَّ كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها، لأنَّه أول من سنَّ القتل» رواه البخاري (3335)، ومسلم (1677)، وقال الله عزَّ وجلَّ عن رسوله موسى صلى الله عليه وسلم أنَّه قال للخضر: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً}، وقال عنه: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وفي صحيح مسلم (2905) عن سالم بن عبدالله بن عمر قال: «يا أهل العراق! ما أسْأَلَكُم عن الصغيرة وأركبَكم للكبيرة! سمعت أبي عبدالله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان الفتنةَ تجيء من ههنا، وأومأ بيده نحو المشرق، من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضُكم رقاب بعض، وانَّما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله عزَّ وجلَّ له: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}»، وقول سالم بن عبدالله: «ما أسألَكم عن الصغيرة وأركبَكم للكبيرة» يشير بذلك الى ما جاء عن أبيه في صحيح البخاري (5994) أنَّه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض، فقال: «انظروا الى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا»، يعني الحسن والحسين رضي الله عنهما.

وقال تعالى: {وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}، وقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أن النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}.

ما جاء في قتل المسلم نفسه عمداً وخطأ

قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أن تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إن اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قتل نفسَه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة» رواه البخاري (6047)، ومسلم (176) عن ثابت بن الضحاك رضى الله عنه، وروى البخاري (5778)، ومسلم (175) عن أبي هريرة: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن تردَّى من جبل فقتل نفسَه فهو في نار جهنَّم يتردَّى فيه خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومَن تحسَّى سُمًّا فقتل نفسَه فسُمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنَّم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومَن قتل نفسَه بحديدة فحديدتُه في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنَّم خالداً مخلَّداً فيها أبداً»، وفي صحيح البخاري (1365) عن أبي هريرة قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الذي يخنق نفسَه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار».

وهذا الحديث في مسند الامام أحمد (9618) وغيره وفيه زيادة: «والذي يتقحَّم فيها يتقحَّم في النار»، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (3421).وفي صحيح البخاري (1364)، ومسلم (180) عن الحسن قال: حدَّثنا جُندب رضي الله عنه في هذا المسجد فما نسينا وما نخاف ان ننسى، وما نخاف ان يكذب جُندب على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «كان برجل جراح فقتلَ نفسَه، فقال الله: بدرنِي عبدي بنفسه، حرَّمت عليه الجنَّة»، وروى ابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن 763) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: «أنَّ رجلاً كانت به جراحة، فأتى قرَناً له فأخذ مشقصاً، فذبح به نفسَه، فلم يُصلِّ عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم»، وقال الألباني في صحيح الترغيب (2457):»صحيح لغيره».

وأمَّا من قتل نفسه خطأ فهو معذور غير مأزور، لقول الله عزَّ وجلَّ: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}، وقوله: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، قال الله: «قد فعلت» رواه مسلم (126).

يُتبع،، ، 

—————–

نقلاً عن الوطن الكويتية

-- الشيخ العلامة/ عبد المحسن بن حمد العباد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*