الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » دين أخلاق أيضاً.. لا عبادات فقط

دين أخلاق أيضاً.. لا عبادات فقط

يهتم البعض بما جَاءَت به الشَّرِيعَةُ وَالسُّنَنُ من عبادات، وينسون أن العبادة ليست مقصورة في صلاة وصيام وأَعمَالٍ مَحدُودَةٍ يُؤَدِّيهَا المَرءُ في المَسجِدِ. وأن الطاعة ليست في التشدّد في أمر من أمور الدين فقط.. وأن تَصَرُّفَاتِ الإِنسَانِ في حَيَاتِهِ وَعِلاقَتِهِ مَعَ غَيرِهِ وأخلاقه وقيمه هي جزء مهم من صلاحه وصحّةِ دينه.

فما فائدة أن يهتم المرء بالعِبَادَاتِ وَتَنَوُّعَ الطَّاعَاتِ، ثم تجده مع الناس فظا غليظا كشرا، سيء الخلق، مكروه المعاشرة.. مفتقرا إلى حسن الخلق.

إن من يفعل هذا لهو بحاجة إلى إعادة النظر في صحّة دينه وعباداته. فالعبادات والطاعات التي لا تُورِث العَبدَ رِقَّةً في قَلبه وَخُشُوعًا في سلوكه وأخلاقه، وَتَمنَحْهُ القدرة على تزكية ِنَفسِهِ وتنقية معدنه.

يقول النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أكملُ المُؤمِنين إِيمَانًا أحاسنهم أَخلاقًا، المُوطَّؤون أكنافًا، الَّذِينَ يَألَفُونَ وَيُؤلَفُونَ، وَلا خَيرَ فِيمَن لا يَألَفُ وَلا يُؤلَفُ».. ومع ذلك نجد البعض لا يعرفون الكثير من السماحة واللين والبشاشة والتجاوز عن الزلاّت والترفّع عن صغائر الأمور.

فتجده مقطّب الجبين، فظ الكلام، إذا ما زلّ عليه شخص في موقف أو طريق انتفض صارخا متجاوزا، مهدّدا متوعّدا، متشاجرا.. وانطلق لسانه بأبشع الكلام والشتائم.!!!.

يقول ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ: «المُؤمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم، خَيرٌ مِنَ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلا يَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم».

أو قد تجده في مكتبه وعمله يتشدّد في وقت الصلاة أن ينطلق لأداء الصلاة المفروضة والسنن. وإذا ما كانت بين لديه مصالح الناس وأوراقهم؛ تهاون في أداء عمله، واستهتر في مصالح الناس، وجعل التسويف طريقته (ومرّ علينا الأسبوع الجاي) رمزاً لمهمّته.. أَوِ التَّحَايُلِ عَلَى الناس وَسَلبِهِم حُقُوقَهم منهجا له.

وإذا ما أدّى إليك حقّك أو قدّم لك الخدمة التي ترجوها منّ عليك وتفاخر، وكأنه يؤدّي لك شيئا يتكرّم به عليك.. لا واجبا عليه يتقاضى أجره وراتبه عليه!!

إِنَّ المُعَامَلَةَ بِالسَّمَاحَةِ وَاللِّينِ أمر صار مفقوداً لدى الكثيرين بشكل لا ينبئ بخير. حتى صار مَن سَمَت رُوحُهُ وَزَكَت نَفسُهُ وَارتَقَى خُلُقُهُ نادرا في هذا الزمن!!

و لا أدري أهو الخلل في فهم الدين أم في التربية على أن الدين عبادات وليس أخلاقا!!

يقول ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ: «المُؤمِنُونَ هَينُونَ لَينُونَ، كَالجَمَلِ الأَنِفِ، الَّذِي إِن قِيدَ انقَادَ، وَإِذَا أُنِيخَ عَلَى صَخرَةٍ استَنَاخَ».

نردّد كثيرا في كلامنا أن لديننا سماحة فاقت كل تصوّر. وأن ديننا يدعو إلى السماحة. ومع ذلك نجد أن البعض لا يعرف عن السماحة شيئا في سلوكه وأخلاقه وتعامله. ولكنه يطالبك ـ مع غلاظته ـ أن تكون أنت السمح ذو الخلق الرفيع معه.

قال ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ـ: «اِسمَحْ يُسمَحْ لَكَ» وَقَالَ ـ عليه الصلاة والسلامَ ـ: «حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى الهَيِّنِ اللَّيِّنِ السَّهلِ القَرِيبِ» وَقَالَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشتَرَى وَإِذَا اقتَضَى».

ما أحوجنا اليوم إلى أن نذكّر بعضنا البعض بأخلاق ديننا وتوجيهات القرآن والنبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم في ذلك. لعلّ الناس تعي وتفهم أن صاحب الخلق الحسن ينال مكانة أعظم من صاحب العبادات فقط.

وأن السَّمَاحَةَ تَوفِيقٌ مِنَ اللهِ، لا يؤتاها إِلاَّ أَهلُ الإِيمَانِ لا أهل تطبيق العبادات كعادات دون روح وأخلاق!!

alshaden@live.com

——————-

نقلاً عن صحيفة المدينة السعودية

-- د. دانية آل غالب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*