الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » سيناريو طالبان في مالي

سيناريو طالبان في مالي

في الثالث من فبراير سنة 2013، وبعد ثلاثة وعشرين يوما من بدء الحملة الفرنسية على الجماعات الإسلامية المسلحة في مالي في 11 يناير، استقبل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند استقبالا شعبيا حاشدا للترحيب به، الذي جاء بصورة المنقذ البطل- وهو مستعمر قديم- للاحتفال مع جنوده المنتصرين والشعب المالي بالانتصار!! . 

وقد جاء التقدم السريع في مالي ليمنحه رصيداً داخلياً كان مهدداً في حال الفشل الذي كان يتهدد صورته كقائد غير قادر على اتخاذ قرارات صعبة ومصيرية، يحكم فرنسا المثقلة.. بأعباء الركود وأزمات البطالة والاقتصاد…

كان الإصرار والفشل ماثلين خاصة بعد عملية احتجاز الرهائن من قبل ما يعرف ب” كتيبة الموقعون بالدم” في الجزائر في 19 و20 يناير والتي راح ضحيتها قتلى 37 قتيلا من جنسيات مختلفة، ولكن لم يأت الأول من فبراير إلا وأعلام النصر الفرنسي تلوح في الأفق ويأتي الرئيس هولاند ليستقبلها كالبطل المنتصر أمام نفسه والعالم.

ولم تكتف فرنسا بذلك بل سعت عبر تصريحات مسؤوليها وبالتعاون مع الحكومات الإفريقية للتمكين للاستقرار والتنمية في مالي، مع النجاح الفرنسي في مالي، تعهدت الدول المانحة التي اجتمعت في أديس أبابا بمقر الاتحاد الإفريقي توفير نحو 455 مليون دولار للتعامل مع الوضع في الدولة الإفريقية عبر إقامة مشروعات تنموية وتمويل القوة الإفريقية التي ستتسلم المهمات الأمنية من القوات الفرنسية بعد أشهر.

كما صرح لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي في السابع من فبراير الماضي صرح “وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس” أن فرنسا تعمل من أجل إنشاء قوة حفظ سلام دولية بمالي في نيسان/أبريل المقبل العام 2013، وقد جاء ذلك ردا على سؤال حول تحويل المهمة الدولية لمساعدة مالي المؤلفة من قوات إفريقية، الى قوة حفظ سلام دولية، وهي القوات التي وجدت بموجب قرار مجلس الأمن رقم (2085) الصادر في 20 ديسمبر 2012 لمساعدة القوات الحكومية في مالي على بسط سيطرتها على الأراضي المالية، ورغم أن هذا القرار لم ينص على مشاركة القوات الأوروبية والفرنسية في التدخل المباشر في الحرب ضد جماعة أنصار الدين وحلفائها، خاصة بعد سيطرتها على بلدة “كونا” وسط البلاد بعد معارك مع القوات الحكومية، بل كان متوقعا أن تنقل هذه الجماعات الحرب جنوبا، حيث يلاحظ أن “كونا” المشار إليها كانت آخر منطقة عازلة بين المقاتلين الإسلاميين وبلدة “موبتي” الاستراتيجية التي تبعد نحو 50 كيلومترا جنوبًا، مهددين بمواصلة التحرك ناحية العاصمة “باماكو” ومن هنا كان التدخل الضروري والسريع.

فرنسا والحضور الإفريقي:

وفق العديد من المراقبين تبدو فرنسا الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على الحركة والفعل في الساحة الإفريقية؛ حتى أن إفريقيا تمثّل أحد ثلاثة عوامل داعمة لمكانة فرنسا الدولية بجانب مقعدها الدائم في مجلس الأمن والقدرة النووية”، ومن هنا كان التدخل سريعا وضروريا ليس فقط كما صرح فابيوس في 11 يناير من أجل الحيلولة دون قيام دولة إرهابية في الشمال المالي، ولكن رعاية للمصالح الفرنسية المتجددة في مالي منذ فترة طويلة، وحتى الآن، فقد ظلت مالى تقع تحت السيطرة الفرنسية منذ بداية القرن التاسع عشر , وفى عام 1959 كونت مالى مع السنغال ما كان يسمى ( إتحاد مالى) , وحصلا معا (السنغال ومالى ) على الإستقلال عن فرنسا عام 1960، ولكن استمر هذا الحضور متجددا باستمرار تؤكده المصالح الاقتصادية والسياسية في آن واحد.

يذكر أن فرنسا تعتمد في تلبية احتياجاتها من الطاقة والكهرباء، على نحو 75% من احتياجاتها من الكهرباء على الطاقة النووية، على خام اليورانيوم. وتشير تقديرات الطاقة الدولية إلى أن صحراء شمال مالي وشرق النيجر تحتل المرتبة الثالثة في استحواذها على احتياطات اليورنيوم في العالم فضلا عن امتلاكها لاحتياطات كبيرة من النفط الخام..كما استطاعت شركة فرنسية احتكار حقوق استغلال اليورانيوم في النيجر ومالي طيلة عقود، إلى أن قامت حكومة النيجر مؤخرا بمنح تراخيص للتنقيب لشركات هندية وصينية وأميركية وكندية وأسترالية.

وتشير جغرافية مالى التي تشترك مع دول غرب أفريقيا، وهي المنطقة التي تقع في إطار النفوذ الفرنسى المتمدد إفريقيا، تجارياً وثقافياً وعسكرياً, وهو نفوذ يسهم فى الإبقاء على مكانة فريدة لفرنسا, ومع تحقيق تنظيم القاعدة لإنتصارات عسكرية على الجيش المالى و وإقتطاع مدن الشمال من سيطرته , فإن خطر تمدد تنظيم القاعدة فى الدول المجاورة والمتاخمة لمالى أصبح يهدد نفوذ ومصالح فرنسا فى الغرب الإفريقى, الاقتصادية والثقافية، كما يهدد التواجد العسكرى الفرنسى, إذ تمتلك فرنسا خمس قواعد عسكرية بالمنطقة , هى الباقية من أصل 100 قاعدة عسكرية فى زمن الإستعمار الفرنسى لدول إفريقيا .. كما أن وجود الذهب واليورانيوم فى الشمال من مالى ( مثلما يتوفر اليورانيوم فى النيجر) , ووقوع هذا الشمال تحت سيطرة تنظيم القاعدة أو الجماعات الجهادية الموالية له أو القريبة منه, يحرم فرنسا من ميزات إقتصادية وتجارية مهمة , منها أن فرنسا تعتمد على اليورانيوم فى صناعاتها النووية .. وفى السياق ذاته كتبت الجريدة الإسبانية ” آ بي سي ” المعروفة بمصادرها العسكرية , أن لفرنسا مصالح نووية في النيجر، وتخاف من أن يؤدي انهيار مالي الى انهيار النيجر لاحقا، وكلها دول هشة تعتمد بشكل أساسي على المعونات الاقتصادية الفرنسية.

نظرة على الجهاديين في مالي:

1_ حركة أنصار الدين: وهي حركة إسلامية تتقاطع مع تنظيم القاعدة في كثير من أطروحاتها الفكرية والسياسية ويرأسها الدبلوماسي السابق في المملكة العربية إياد غالي، وظل غالي مرتبطا بعلاقات قوية بمختلف قوى المنطقة وموريتانيا بشكل خاص قبل توطيد علاقته مع تنظيم القاعدة .

2_ مسلحون من تنظيم القاعدة- تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي :

يتقاسم هذا التنظيم المقاتل مع “أنصار الدين” السيطرة على أجزاء واسعة من الأراضي الأزوادية ظل يتخذها طول السنوات الماضية منطلقا لهجماته ضد دول الجوار، وسجنا للمخطوفين الذين جنى منهم أرباحا مالية ,ويتوزع هذا التنظيم بدوره إلى عدة فصائل أبرزها.

كتيبة الملثمين:

ويقودها الجزائري مختار بلمختار الشهير بلقبه بلعور؛ وهي الكتيبة الأقدم في المنطقة والأعرف بدروب الصحراء، وتتميز بعلاقات أميرها مع السكان المحلييين من الطوارق إضافته إلى تاريخه الطويل من الصراع من الجزائر وموريتانيا بشكل خاص , ويُذكر أن “بلعور” كان قد أعلن قبل شهرين عن تشكيل كتيبة “الموقعون بالدماء” , وهى التي نفذت عملية احتجاز الرهائن الغربيين بالموقع البترولى ببلدة أمناس جنوب شرق الجزائر.

سرية الفرقان:

وقائدها يحي أبو الهمام، وهي الكتيبة الأكثر شراسة خلال السنوات الأخيرة ويوجد في عضويتها العشرات من الموريتانيين، وهو ما يفسر تكرار اشتباكها مع الجيش الموريتاني في معارك حاسي سيدي، وعدل بكرو وغابة واغادو.

كتيبة طارق بن زياد :

ويقودها عبد الحميد أبو زيد وهي الكتيبة الأكثر سلفية وراديكالية، كما أنها الأكثر استفادة من عائدات خطف الرهائن، وهي كتيبة منوعة تضم كل مقاتلين من أغلب دول الساحل الإفريقي والمغرب العربي.

حركة التوحيد والجهاد:

في منطقة غرب افريقيا بقيادة سلطان الأزوادي وحمادة ولد محمد خيرو، وهي حركة حديثة النشأة وتضم في عضويتها مجموعات من المنشقين عن كتائب القاعدة الثلاث آنفة الذكر، ويغلب على عضويتها العنصر العربي.

ولا يمكن الاستهانة بقوة أي من التنظيمات الجهادية المذكورة، فبحسب التقارير الإعلامية المتداولة فإن التنظيم استطاع خلال الأشهر الماضية تجنيد الكثير من الشبان الأفارقة في صفوفه، ضمن ما يمكن اعتبارها استيراتيجية لإنتاج ” النسخة الإفريقية من القاعدة” بعد تراجع زخمها العربي، ثم إن عائد عمليات الخطف والسلاح الليبي بشكل خاص، أسهما في تزويد القاعدة بترسانة قوية يمكن أن تصمد لحين في وجه التدخل الدولي الذى بدأ الجمعة(11 يناير الجارى).

ردود الفعل داخل إقليم أزواد “شمال مالي”:

شمال مالى أيضا وبعيداً عن القاعدة هناك الحركة الوطنية لتحرير أزواد ذات المشرب العلماني، والتي يبدو انه تم استيعابها من قبل القوات الفرنسية خاصة في معركة كيدال في 29 يناير الماضين وينخرط في هذه الحركة الكثير من الأطر والسياسيين الأزواديين ويقودها بلال أغ غالي، ويتبع لهذه الحركة جناح عسكري ينخرط فيه أغلب الطوارق العائدين من ليبيا والمزودين ببقايا الترسانة العسكرية للقذافي، ولكن تظل القبلية ضعيفة أمام التنظيمات الأيدولوجية التي تخترقها وخاصة الجهاديين الذين يمكن ان يستهدفوها أو يؤثروا عليها في حال معاداتهم لقناعاتهم الجهادية.

استبعاد السيناريو الطالباني.

يبدو أنه لم تنته الحرب في مالي خاصة مع لجوء أعضاء الجماعات المسلحة هناك للعمليات الانتحارية ضد القوات الفرنسية والمالية، ومع نفور عام للجهاديين والإسلاميين العرب- حتى بعض من غدوا في سدة الحكم- ، شهر يناير واصلت القوات الفرنسية والقوات الحكومية المالية تقدمها شمالاً في مالي، والسيطرة على معاقل المتشددين في سيناريو هو الافضل بالنسبة للعسكريين الفرنسيين حتى الآن. ونجحت القوات الفرنسية في دخول مدينة كيدال في 29 يناير وهي آخر المعاقل الكبيرة لرفض ما اعتبروه احتلالا فرنسيا جديدا ل مالي أو احتلال صليبي لأرض مسلمة، كما هو الاحتلال الصهيوني ل فلسطين المسلمة كما ذكر بيان القاعدة في جزيرة العرب بتاريخ 12 فبراير سنة 2013، وسبقتها بيانات للقاعدة في المغرب العربي، ومجموعات السلفية الجهادية في تونس وموريتانيا، وتحفز عملياتي في سياقات مضطربة في المنطقة، وخصوصية جغرافية وثقافية صعبة في الساحل والشمال الإفريقي بالخصوص. 

فهل بقييت الصعاب بعد أن كانت الحرب شبه سهلة ونجحت القوات الفرنسية في السيطرة على جاو وتيمبكتو في 28 يناير دون مقاومة تذكر، وهل تكون العمليات الانتحارية التي يلجأ إليها هي تحقيق للتحذير الذي أطلقته واشنطن صراحة من احتمال وقوع “عمليات ثأرية” في المناطق المحررة في شمال مالي ضد الطوارق أو غيرهم من الأقليات الاثنية المتهمة بدعم الإسلاميين المسلحين. 

صرح “الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند في الثاني من فبراير بأن فرنسا ستبقى في مالي “كل الوقت الضروري من أجل دحر الإرهاب”، وأضاف بأنه سيطلب من البرلمان التصويت “على مبدأ هذا التدخل إذا كان سيطول” وحول عملية الجيش الجزائري في منشأة عين أميناس اعتبر الرئيس الفرنسي أن الجزائر تصرفت بالشكل “الأكثر ملاءمة” وهو ما يعني الإصرار الفرنسي في وجه التحدي الإرهابي هناك، وهو ما يشبه النظرة الأمريكية في أفغانستان، حيث تتعدد أوجه الشبه بين الوضع في مالي وأفغانستان، حيث يتوقع أن يكون انسحاب الاسلاميين تحركا استراتيجيا إيذانا بنشوب حرب عصابات، تشبه ما تفعله طالبان في أفغانستان! 

حيث لا تقوى هذه تنظيمات الجهاديين المسلحة الصغيرة على خوض حرب تقليدية ضد جيوش نظامية، فيؤثرون الانسحاب وإنقاذ عتادهم العسكري من الدمار، استعدادا لجولات جديدة ومباغتة من حرب العصابات، وهو ما يدركه الفرنسيون بشكل واضح حتى الآن، ومن هنا كان تأكيد هولاند استمرار بقاء قواته في مالي لحين استقرار الأمور وللتاكد من عدم تكرار سيناريو طالبان في الصحراء المالية، و غم بيانات الجهاديين الحماسيين من مصر إلى تونس والمغرب وما قامت به القاعدة في المغرب العربي في منشأة الغاز في عين أميناس يبدو أن السيناريو الطالباني يمكن أن يستبعد في صحراء مالي لعدد من الأسباب نوجزها فيما يلي:

1- الاختلافات الإثنية والحاضنة الواسعة إفريقيا ودوليا لمنع ذلك.

2- الاختلافات الثقافية وكون أغلب الجهاديين غرباء عن مالي وقادمين من دول أخرى، وخاصة الفاعلين فيهم.

3-التحفز الإقليمي والشمال الإفريقي- بما فيه الجزائر رغم انتقادات البعض لأدائها في عين اميناي- للحيلولة دون قيام دولة للقاعدة والجهاديين في هذه المنطقة.

4-الأزمة البنيوية للتنظيمات الجهادية في مختلف دول المنطقة، وبما فيها القيادة المركزية للقاعدة في أفغانستان..

5-الفشل الجزئي للإسلام الجهادي مع صعود الإسلام السياسي الذي يعتمد الديمقراطية أو الشعبوية سبيلا للصعود والسلطة ما بعد الثورات العربية مما جعل الفكرة الجهادية الانقلابية مأزومة ل حد بعيد وأقل جاذبية من ذي قبل. 

*إعداد: سعيد السني- أحمد الشريف

*مراجعة هاني نسيره

——————-

المصدر: معهد العربية للدراسات

-- سعيد السني- أحمد الشريف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*