السبت , 3 ديسمبر 2016

الإسلام والتخلف

يؤسفني أن أطلع على نظريات تربط ما بين الإسلام والتخلف، وتقوم على دراسات طويلة تسعى لتبرير تخلف الدول الإسلامية وتأخرها بأنه بسبب دينها، ومن البساطة أن نتجاهل هذه النظريات ونلقبها بافتراءات حاقدة من جهات جاهلة، ولكن هذه النظريات مبنية على دراسات تفصيلية وصادرة من جهات أكاديمية معروفة ولديها آذان صاغية، وبالتالي كانت حاقدة أم لم تكن، فإن تجاهلنا لها لن يحد من انتشارها إن لم يكن قبولها لدى الآخرين، وللأسف فإن (الآخرين) لا تعني فقط غير المسلمين، فهناك من ينتمي للإسلام ولو كان فقط بالاسم أو الأصل، ومع ذلك يميل لتصديق هذه الدراسات، وهذا ــ في رأيي ــ من شدة الغباء، فأول ما يمكن أن نقول لمن كانوا في عالمنا الإسلامي إنكم بالتأكيد أطلعتم أو سمعتم عن بداية هذا الدين وكيف وأنه خلال سنوات قليلة في تاريخ الأمم، قام بتحويل أمة في غاية التخلف مما أعطاها وعن جدارة لقب (الجاهلية) إلى أمة في قمة العطاء والثراء، وتفوقت ــ تقريبا ــ في كل العلوم والفنون، وإلى حد أن العالم استمر يدرس من كتبها ويستفيد من علومها لمئات السنين بعدما انحدرت الإمبراطورية الإسلامية.

ما حدث للعرب ما بين الجاهلية والإسلام هو نقلة حضارية لا تقل إعجازا عن أي من المعجزات الأخرى التي أتى بها سيد البشرية ــ صلى الله عليه وسلم، وأي شخص يعلم تاريخ الإسلام لا بد وأن يقر بأن هذا الدين فعلا نقل البشر من الظلمات إلى النور، ومن الفقر إلى الثراء، ومن التخلف إلى الريادة والتقدم، فهذه حقائق تاريخية يجب أن لا تغيب عن من هم في العالم الإسلامي أو من هاجروا منه، وربما عليهم أن يعودوا إلى جذورهم وتاريخهم ليروا هذه الحقائق.

أما لغير المسلمين والذين يطلعون على عالمنا المعاصر ليجدوا أن معظم دول العالم الإسلامي تعيش في فقر وتخلف، فدول وسط أفريقيا المسلمة هي من أفقر دول العالم وأكثرها تخلفا، وكذلك بالنسبة للدول الإسلامية في وسط قارة آسيا، أما بالنسبة لأوروبا فصحيح أن الدول الإسلامية هناك هي أفضل حظا من باقي دول العالم، إلا أنها لو قارنتها بباقي جيرانها في أوروبا فهي ــ للأسف ــ في آخر القائمة، وحتى دول الخليج الغنية، فإنك لو لم تحسب ثروة النفط وإيراداتها ولا تعتبرها من إنتاج هذه الدول، فإنها تنضم سريعا إلى باقي الدول الإسلامية الفقيرة، وبالإضافة لذلك فإن معظم الحروب والقلاقل والفتن هي في الدول الإسلامية، ومعظم الأعمال الإرهابية كذلك، والغالبية العظمى من اللاجئين المشردين في العالم هم من المسلمين، وبالتالي ظهر من يفسر أوضاع المسلمين وفقرهم وتخلفهم بأنه عائد لدينهم.

ولكن مع اعترافنا بالأوضاع المؤلمة للعالم الإسلامي إلا أن هناك فرقا وفرقا جذريا وشاسعا ما بين أن يكون المسلمون في حالة فقر وتخلف، وما بين أن يكون ذلك لكونهم مسلمين، أي أن يكون الإسلام هو السبب في الفقر والتخلف. فعلى سبيل المثال، معظم الذين حصلوا على جائزة نوبل هم من البيض، ولكن من الغباء أن نقول إن بياض لون البشرة هو سبب للحصول على جائزة نوبل أو هو سبب للذكاء والتفوق، فلون بشرة الشخص ليس له أي تأثير على ذكاء المرء وتفوقه، ولا علاقة بينهما أبدا.

وحتى لو كنت هناك علاقة ما بين أمرين، فهذا لا يعني أن أحدهما يسبب الآخر، فعلى سبيل المثال، عادة ما نجد أن الرعد يصاحب المطر، وواضح أن هناك علاقة بينهما، ولكن لا توجد سببية، فلا الرعد يسبب المطر، ولا المطر يسبب الرعد، وإنما كلاهما ناتج عن أسباب مناخية وتراكمات للسحب وحركة الرياح، وبالتالي صحيح أن هناك تخلفا واضحا لأمة الإسلام، وأنهم كغثاء السيل ليس لهم وزن، وإنما يبدو أن دماءهم وأعراضهم وأرضهم وحقوقهم أصبحت مباحة لباقي الأمم، ولكن ليس كونهم مسلمين هو الذي سبب ذلك، بالعكس فإن الصحيح هو العكس بابتعادهم عن الإسلام… وللحديث بقية.

wahnm@hotmail.com

—————–

نقلاً عن عكاظ 

-- د. وليد عرب هاشم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*