الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بحثاً عن الإسلام الحضاري في سوريا “1”

بحثاً عن الإسلام الحضاري في سوريا “1”

تأتي الحاجة إلى إعداد ميثاق شرف يُقدَّم إلى العاملين للإسلام في سوريا،يتناول القواعد الأساسية التي يمكن أن تستوعبهم جميعًا،أوتستوعب أكبرعدد منهم.

تسري في سوريا اليوم يقظةُ إسلامية كبرى،وهي ظاهرةٌ إيجابيةٌ مباركةٌ في مجملها، تدل على وعي شرائح كبرى من السوريين،وإفاقةالمجتمع من غفلته،وإحساسه بذاته الحضارية،واعتزازه بدينه،وسعيه للخروج من التخلف،والتحررمن التبعية الفكرية والحياتية.وعلى إدراكهم بأن الإسلام ثورةٌ على معاني الجمود والاستنقاع والتقليد، وسبيلٌ لكسر قيود الذل والهوان، وطريقٌ لبناء مجتمع الحرية والكرامة.

تأتي هذه اليقظة وليدة عوامل عديدة تتعلق بما تعلّمه الشعب السوري من دروسٍ في ثورته.وهي قبل ذلك تعبيرٌعفوي فطري أصيل يدل على رغبة الشعب في العودة إلى جوهر ثقافته،وبرهان ساطع على أن هذا الدين محفوظ برعاية الله، وعلى أنه مغروسٌ في أعماق الفطرة الإنسانية دافعاً للحياة ومحركاً لإقامة الدول والحضارات.

وحتى تكتمل الصورة،فإنه لابد من التأكيد على أن هذه اليقظة تأتي محفوفة بكثير من المشكلات التي قد تؤذيها،وتعرقل حركتها.وذلك حين تراها تنقسم فرقاً وشيعاً. يخالف بعضُها الآخر،وربما يعاديه،ويكيد له.فتنشأ الفتن،وتكثرالعداوات،وتشيع الفرقة،حتى بات بعض الناس يرى أن الخلاف بين هذه التشكيلات حقيقةٌ صارخة، ومرضٌ مزمنٌ،وداءٌعضالٌ،لايكاد ينجومنه إلامَنْ رَحِمَ ربي.

يضاف إلى ذلك أن بعض الجهود المخلصة ينقصها الصواب،فتُنفَق حيث لا تدعوالحاجة،وربما اختارت المفضول الممنوع مع وجود الأفضل المتاح،بل ربما أنفقت فيما يضرُّ ويؤذي.

يضاف إلى ذلك أيضًا أن كثيراً من العاملين تغلب عليهم البساطة والطيبة،اللتان تصلان أحياناً إلى درجة الغفلة.الأمرالذي يسهِّل اختراقهم وتوريطهم من قبل أصحاب النيات السيئة والأجندات المشبوهة.فيدفعونهم إلى ممارساتٍ غير محسوبة،ومغامرات مهلكة،تؤذيهم وتؤذي البلاد والعباد،وُتكرِّه الناس فيهم،بل ربما كرَّهتهم بالإسلام نفسه،وخوَّفتهم منه. 

ولعل أكبرميدان يمكن أن تظهر فيه المشكلة هوالميدان السياسي والعسكري،فقد كانت لهم في هذا الميدان جهود وتضحيات،لكن المحظور أن يكونوا هم أول الضحايا،بعد أن يكونوا قد دفعوا ثمنًا فادحًا،كما دفعت البلاد والعباد ثمنًا باهظًا أيضًا،وهوالأخطر والأفظع.

ولاريب أن مثل هذه الظاهرة لايمكن أن تُعْزَى إلى سببٍ وحيد،فلابد من إرجاعها إلى مجموعة معقدة متداخلة من الأسباب المختلفة،منها المباشرومنهاغيرالمباشر،ومنهاالسذاجة والغفلة،ومنهاالعجلة والارتجال،ومنها سهولةالاختراق والتوريط،ومنها الجهل بسنن الله وقوانينه،ومنها المطامع والأهواء التي تلبس لبوسًا دينيًا وأصحابُها طلاب مغانم ورئاسة وثارات،ومنها ما يتعلق بقدرة الناس على الفهم والاستيعاب،ومنها مايتعلق بطبيعة المرحلة التي تمربها البلاد،وهي مرحلة خطرة حرجة لها مضاعفاتها وانعكاساتهاالسلبيةعلى شتى المجالات.

وإذاكان الأمركذلك من حيث تشخيص هذه الظاهرة الخطيرة،وجب علينا أن نقرر بأن العلاج لايمكن أن يكون بتقديم حلٍّ وحيد،بل لابد من مجموعة متكاملة من الحلول التي يسند بعضها بعضًا،ويقوِّي كلٌّ منها أخاه.

ولعل الحل الذي ينال المرتبة الأولى من بين هذه الحلول،ويجعل له أهميةخاصة،هوتصحيح القواعد العامة للعاملين من الإسلاميين في سوريا.ذلك أن القواعد تحكم إلى حد كبيرالتصورَالعام للإنسان،وطرائق المحاكمة والتفكيرعنده،وأسباب العمل والممارسة فيما يفعل. ومن المعروف والبدهي بين الناس أن التصورالخاطئ يقود إلى سلوك خاطئ،وأن التصورالصحيح يقود إلى سلوك صحيح.

وابتداءً فإنه ليس من أحدٍ يدعي أن مجرد تصحيح القواعد سوف يقضي على هذه الظاهرة،ولكن يمكن القول:إنه سوف يخفف منها إلى حد كبير.

إن هذه اليقظة في حاجةٍ ماسةٍ إلى تسديدٍ،وتقويٍم،ونصحٍ ومراجعةٍ،لكونهاعملاًبشريًا فيه الصواب،وفيه الخطأ.

وإذا كانت هذه اليقظة مهددة من خارجها،فإنها مهددة من داخلها أيضًا،وقد يكون التهديد الداخلي أخطر من التهديد الخارجي،وأشد فتكًا.

وإذاكان التهديد الخارجي يأتي من المتربصين بالخط الإسلامي بشتى أنواعهم،كيداً منهم أو جهلاً، فإن التهديد الداخلي يأتي من داخل أهل اليقظة نفسها،من فهٍم خاطئ،أوحماسٍ غير مدروس،أونزعةٍ نفسيةٍ مشوهة،أوعجلةٍ لاتتفق مع طبائع الأشياء،أومثاليةٍ لاتدرك مقتضيات الواقعية،وما إلى ذلك.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعداد ميثاق شرف يُقدَّم إلى العاملين للإسلام في سوريا،يتناول القواعد الأساسية التي يمكن أن تستوعبهم جميعًا،أوتستوعب أكبرعدد منهم.ويرسم هذا الميثاق أبعادَ قاعدةعريضةٍ مشتركةٍ تتسع لجميع العقلاء والغيورين،وتسمح بمقدارٍمن التنوع ضمن الإطارالمشترك،لأن الناس لايمكن أن يكونوا نسخًا متكررة متشابهة في كل شيء،وهوما يمكن أن يطلق عليه شعار «التنوع ضمن إطارالوحدة».

ومن أهداف مثل هذا الميثاق إشاعة روح المحبة والثقة بين العاملين،والتقريب بينهم نفسياً وعملياً،وتقليل مساحة الخلاف والخطأ،وزيادة مساحة الوفاق والصواب،وتشجيع روح النقد البناء،وتوسيع آفاق النظر والتفكير،واستشراف آفاق الابتكاروالتجديد،والتعاون في المتفق عليه،والتغافرفي المختلف فيه، وتكامل الأدوار،والخروج من دائرة العطالة إلى دائرة الفاعلية.

والواجب أن يطمح مثل هذا الميثاق إلى أن يكون»ورقةعمل»مستمدة من أصول الإسلام ومقاصده الكبرى،بعيدًاعن الإفراط والتفريط،ممثلاً للوسطية والاعتدال،لايحمل صبغةحزب معين،أوتكتل خاص،أوجماعة محددة،أومدرسة دعوية،أواجتهاد فقهي،أوولاء إقليمي،ولايروج لواحدة من هذه الجهات ولاينتقص من سواها.

كمايجب أن يطمح لأن يكون دستورًا فكريًا أخلاقيًا تربويًا عمليًا للدعاة،وحلف فضولٍ يعتمدونه ويقرونه،وإضافة نوعية لانمطية تأخذ مكانها إلى جوانب مثيلاتها من الإضافات الجادة. فماهي ملامح هذا الميثاق؟ هذا ماسيكون موضوع مقال قادمٍ، وربما أكثر. 

waelmerza@hotmail.com

——————————

نقلاً عن صحيفة المدينة السعودية 

-- د. وائل مرزا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*