الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نهاية الثقافات الوطنية

نهاية الثقافات الوطنية

التعريف المبسّط للثقافة يشمل تلك المنظومة من الأفكار والعادات، والسلوك الاجتماعي لجماعة أو شعب أو مجتمع معين.

وعلى مدى التاريخ العربي الحديث -على الأقل- احتفظت الثقافات الوطنية بحيز معقول من الخصوصية التي حصّنت كثيرا من هذه الثقافات من الذوبان في موج الثقافات الكبيرة الوافدة.

والملاحظ في حال المجتمعات العربية الإسلامية تحديدا أن ظلّت الأطر الثقافية التاريخية صارمة في حراسة الموروث فتوارثتها الأجيال دون تغيير كبير وفق أركان ومحددات أساسية ثلاثة: الأول: الدين الإسلامي، والثاني: اللغة العربية بوصفها وعاء الثقافة، والثالث: التنظيمات الاجتماعية بدءاً من الأسرة والعشيرة وانتهاء بالقبيلة والمنطقة التي أسهمت في بناء مفاهيم الضبط الاجتماعي المستمد من جذور ثقافة المجتمع.

وكان التمييز الأوضح فيما سبق – حتى داخل البلد الواحد- هو وضوح مرونة ثقافة سكان السواحل عمن سواهم من حيث تقبّل التغيير في المأكل والملبس والسلوك وفي اتساع حدود التواصل مع الآخر المختلف.

ويعزو الاجتماعيون هذه الميزة الثقافية إلا أن سكان السواحل عادة ما تسمح لهم طبيعة جغرافيا أرضهم بالتقاء البشر من مختلف الثقافات كون مدن السواحل تتضمن الموانئ التي يفد اليها الناس للتجارة والبحث عن الرزق، ومنها تتسرّب الأفكار والعادات ومعها نوعيات من ثقافات أخرى تستوطن المكان وتغيّر في بعض قواعده الثقافية.

إذاً فالحقبة الاتصالية المعاصرة هنا تبدو وكأنها تؤكد هذه الفرضيات الاجتماعية إذ كلّما ازدادت فرص الالتقاء والتواصل مع الآخر ستقود بلا شك إلى ما يشبه حتمية التغيرات الثقافية التي قد تكون عاصفة في بعض الأحيان.

ومع سيل الثقافات الوافدة المبشّرة بحرية الفرد والمنفّرة من قيود المجتمع باتت أكثر الثقافات المحلية في حال من الضعف والاهتزاز بدا وكأنه لا يسمح سوى بامتصاص هذا القادم المثير أو الذوبان فيه. وبتأمل بعض المجتمعات الفرعية المحافظة نجد أن هذا التأثير بدا واضحاً على المستوى الجمعي وبشكل أدق على المستوى الفردي لرموز صنعتها صرامتها في الذود عن حمى الثقافات المحلية في الماضي، واشتهرت بقسوتها على كلّ متعامل مع هوامش الثقافات العالمية.

على سبيل المثال نرصد على المستوى الفردي اليوم مشاهد عجائبية على شبكة الإنترنت إذ نجد تنافساً كبيراً لبعض من كانوا حرّاسا سابقين للمحافظة بكافة أشكالها على سيادة المشهد الاتصالي الإلكتروني بشكل يدعو للتأمل.

وأكثر من هذا وجدنا أن فريق الممانعة الاجتماعية المتترس تاريخياً خلف مفاهيم المحافظة على القيم والعادات سمحوا لأنفسهم وزوجاتهم وبناتهم بأن يتبسّطوا كثيرا في التواصل الإلكتروني ما يعطي دلالة قوية أن رياح التغيير عبر الشاشات الكبيرة والصغيرة تخللت الكيانات، وغيرت كثيرا من المفاهيم.

ليس الموضوع هنا عن الصواب والخطأ وإنما لتوصيف مقدمات تشي بنهايات كشفها تبدل المواقف مع وسائل الاتصال الحديثة التي توسع من خلالها المباح الاجتماعي وغيره بشكل يثير السؤال عن مصير رموز المحافظة، بل ومصير الثقافات الوطنية بكل مقوماتها.

*مسارات

قال ومضى: إذا كثر (المنحنون) أمامك فهم إمّا خائفين أو متزلّفين .. وهؤلاء كلهم (لا يصنعون) الحاضر، (ولا يصونون) التاريخ..

——————–*******

نقلاً عن صحيفة الرياض السعودية 

-- د. فايز بن عبدالله الشهري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*