السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بوادر الانتصار رغم المتواطئين والمتخاذلين

بوادر الانتصار رغم المتواطئين والمتخاذلين

في الأشهر الأولى من قيام أكثرية الشعب السوري بهَبَّتها ضد المُتحكِّمين في سوريا عقوداً من الزمن كتبت مقالة حاولت أن أقارن فيها بين ما جرى على أرضها بما جرى ويجري في أقطار عربية أخرى؛ مثل تونس ومصر وسوريا واليمن. 

وكان مما قلته في تلك المقالة: «إن الوضع في سوريا وضع مُستحكم العُقَد؛ داخلياً وخارجيًّا». 

فعلى المستوى الداخلي هناك تَفرُّد في الحكم على أساس حربي ينظر إليه أفراد كثيرون من الشعب على أنه لم يعد حزبياً فحسب؛ بل أصبح طائفيًّا تهيمن عليه أسرة واحدة من تلك الطائفة، ومؤيَّداً كُلَّ التأييد من دولة ذات علاقة غير وُدِّية مع العرب؛ ماضياً وحاضراً؛ وهي إيران بكل ما تَتَّصف به قيادتها الحاليَّة من دهاء ونزعة عرقية وتَعصُّب مذهبي، والتي أصبح لها النفوذ الواضح الجَليُّ في تسيير دفَّة الأمور في العراق المجاورة لسوريا؛ وذلك بعد أن هيَّأت لها الظروف لتحقيق ذلك الإدارة الأمريكية المحتلَّة لبلاد الرافدين. 

وعلى المستوى الخارجي هناك أمريكا – إضافة إلى إيران -؛ وهي الدولة التي للمتصهينين فيها قوة مُؤثِّرة، والتي يَهمَّها – بالدرجة الأولى – ما يَهمُّ الكيان الصهيوني المجاور لسوريا والمحتلَّ لجزء من الأراضي السورية. 

وكل من قادة أمريكا؛ مُتصهينون؛ مثل بوش الابن، أو مذعورون من نفوذ الصهاينة في مفاصل الحياة الأمريكية؛ مثل أوباما، وقادة الكيان الصهيوني يَهمُّهما أن يبقى الوضع في سوريا على ما هو عليه؛ وبخاصة أن تهويد فلسطين – بما فيها القدس – يسير على قدم وساق». 

ولقد مضت الأيام شديدة الوطأة على الشعب السوري المُبتلَى المنكوب وعلى نفوس كل المؤمنين بقضايا أُمَّتهم؛ حاضرها ومستقبلها. 

ولم يَمرّ يوم من تلك الأيام الشديدة الوطأة إلا وتُرجِّح أحداثه قرب ما ذكرته في تلك المقالة من الصحة أكثر فأكثر. 

ما ذكرته عن التَّفرُّد في الحكم هناك بيد أسرة الأسد سبق أن بَيَّن مسيرته الكاتب الهولندي نيقولاوس فان دام؛ وذلك في كتابه: الصراع على السلطة في سوريا؛ وهو كتاب من أجود ما قرأت في موضوعه. 

أما ما ذكرته عن تأييد القيادة الإيرانية للنظام في سوريا فقد اتَّضحت للجميع أَهمِّيته من خلال صلابة تلك القيادة المُتمثِّلة بدعمها المستمر المتزايد لذلك النظام؛ سياسيًّا وعسكريًّا وماليًّا. 

ومن الواضح أن ذلك الدعم مفهوم كُلّ الفهم؛ إذ تدرك تلك القيادة أن زوال النظام في سوريا أكبر خطر على نفوذها المهيمن في العراق. 

وزوال نفوذها في العراق ربما يُؤدِّي إلى هَبَّة شعبية في إيران نفسها. 

ولَعلَّ من أوضح الأَدلَّة على صلابة القيادة الإيرانية؛ سياسيًّا، مقدرتها على إخضاع كل دول منظمة التعاون الإسلامي لإرادتها بحيث عجزت تلك الدول أن تذكر في بيانها الصادر عن مؤتمرها الأخير في القاهرة إدانة لجرائم النظام السوري البشعة مع أنه لم يُصوِّت مع إيران إلا الحكومة التابعة لها واقعيًّا في العراق، والحكومة اللبنانية المراعية لقوة حزب الله في لبنان. 

وأما ما ذكرته عن أمريكا المرعوبة إدارتها الحاليَّة من هيمنة الصهاينة على أَهم مفاصل الحياة الأمريكية الداخلية فَيتَّضح من تَغيرُّ مواقفها تجاه ما جرى ويجري على الأرض السورية. 

عندما اندلعت هَبَّة أكثرية الشعب السوري مطالبة بالحُرِّية وإزالة الظلم الذي جثم نيره على صدور ذلك الشعب أكثر من أربعين عاماً صَرَّحت أمريكا المخادعة أنها ترى بأن الأسد فقد شرعيته، وأنه لا بد من زوال حكمه. 

وفَسَّر ذلك التصريح من انخدعوا – وما زالوا ينخدعون – بتصريحات من لا يَودُّون خيراً لأُمَّتنا، بأن أمريكا ذات النفوذ المهيمن في العالم إلى درجة كبيرة ستقف مع من هَبُّوا مطالبين بالحُرِّية وإزالة الظلم. 

ويبدو أنه غاب عن أذهانهم التأمُّل في تاريخ أمريكا المُتَّسم بارتكاب قياداتها المتعاقبة جرائم بعضها لم ترتكب مثلها دول أخرى. 

بل غاب عن أذهانهم التأمُّل في تاريخ أمريكا المُتَّصل بقضايا أُمَّتنا العربية؛ وبخاصة قضية فلسطين. 

ذلك التصريح الذي أبدته أمريكا عند اندلاع هَبَّة أكثرية الشعب السوري سرعان ما بدأ مدلوله يَتغيَّر، وإذا بتلك الدولة، في نهاية المطاف تتواطؤ مع أعوان النظام السوري ضد من قاموا بتلك الهَبَّة، وتَحولَّت من موقف فهمه المنخدعون بأنه سيكون مع الثائرين ضد الظلم إلى موقف يطلب من الذين يَودُّون إمداد المدافعين عن أنفسهم ووطنهم المُبتلَى عدم الإقدام على ذلك مع أن الجميع يرون تَدفُّق الأسلحة المتطورة على النظام السوري من روسيا وإيران؛ إضافة إلى ما لديه من مخزون أسلحة هائل. 

ومن المعلوم أن طلب ذوي النفوذ مستجاب في كثير من الأحيان. 

ولقد أبدى عدد من الكتاب آراءهم حول أسباب ذلك التَّغيُّر. 

لكني أرى أن السبب الجوهري هو أن الكيان الصهيوني المُحتلِّ لفلسطين درس الوضع – كما قال مندوبه في مؤتمر عُقِد في أوروباـ، دراسة استخباراتية دقيقة، فَتوصَّل إلى أن زوال النظام السوري الحالي ليس فيه مصلحة لذلك الكيان. 

وما دام الأمر كذلك فإن أمريكا لن تَتحمَّس لأيِّ خطوة تُؤدِّي إلى ما ليس فيه مصلحة لذلك الكيان. 

كان من بين آراء الكتاب رأي يقول: إن أمريكا لا تريد أن تُورِّط نفسها في تدخُّل عسكري، كما تَورَّطت قياداتها السابقة في مناطق أخرى؛ مثل العراق. 

ويبدو أنه فات من يرى هذا الرأي أمران: الأول أن أمريكا بفضل ما تَوصَّلت إليه من عظمة تقنية قادرة – مثلاً – على شَلِّ حركة طيران النظام السوري الحربي المُدمِّر لسوريا؛ إنساناً وعمرانا، دون التَّدخُّل بقوات بَريَّة أو جويَّة. 

ولو فعلت ذلك لما وصل التقتيل والتدمير على الأرض السورية إلى ما وصلا إليه. 

أما الأمر الثاني فهو إظهار أن أمريكا قد فشلت في تحقيق هدفها في العراق. 

ومن يَتدبَّر الأمر تَدبُّراً جيداً يدرك أنها لم تفشل؛ بل إن هدفها الجوهري قد تَحقَّق في العراق. 

لقد كان تحطيم قوة العراق العسكرية هدفاً من أهداف أمريكا خدمة للكيان الصهيوني. 

وهذا ما قاله السيد جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكية حين القضاء على قوة العراق العسكرية عام 1991م. 

وكان احتلال العراق، عام 2003م، خدمة لذلك الكيان، أيضاً، كما قال رئيس أركان القوات الأمريكية حينذاك. 

ما حدث على أرض العراق من نهب تراث وثروات وترسيخ للطائفية والعرقية كلها هدف لأمريكا خدمة للصهاينة؛ وقد تَحقَّق. 

ومن تَجاهُل هذه الحقائق القولُ: إن أمريكا فشلت في تحقيق هدفها في العراق. 

أما بعد: 

فموقف كُلٍّ من إيران، التي لا يمكن فصل موقفها عن موقف النظام السوري، موقف عدواني واضح، ومثله الموقف الروسي. 

وموقف أمريكا، الذي تَغيَّر بسرعة من موقف فُهِم على أنه مساند للثائرين ضد ذلك النظام إلى موقف اتَّضح أنه ضد مساعدة هؤلاء الثائرين بحيث استعملت نفوذها المهيمن لمنع إمدادهم بما يدافعون به عن أنفسهم ووطنهم، موقف لا أظن أنه ما زال خفيًّا على أَيِّ متابع للأحداث. 

لكن ما موقف السوريين المعارضين للنظام السوري الظالم المجرم؟ أما من أوضحوا صدقهم بتقديم أرواحهم فداء لشعبهم المنكوب ووطنهم المُبتَلى فهم الأبطال حقاً؛ سواء منهم من استُشهِدوا ومن يُحقِّقون الآن انتصاراً إثر انتصار. 

وأما المعارضون للنظام السوري من السياسيين فإن كثيراً منهم قد أثبتوا مصداقيتهم. 

لكن منهم من لم يُوفَّقوا، فبرهنوا على أنهم ليسوا أهلاً للمسؤولية التي تَعهَّدوا بحملها. 

ومن هؤلاء – في رأيي الذي قد يكون خاطئاً – الشيخ معاذ الخطيب؛ إذ أرى أنه يجب التفريق بين صلاحية بعض الرجال لِتولِّي عملٍ ما وتَولِّيه عملاً يَتطلَّب مهارةً سياسيةً. 

من أَهم واجبات من يَتولَّى – أو يُولَّى – قيادة عمل سياسي عدم الإقدام على خطوة ذات حساسية دون التشاور مع الجهة التي تَولَّى – أو وُلِّي – قيادتها. 

وما أقدم عليه الخطيب من تصريح كانت له أصداؤه وتداعياته كان من أوجب الواجبات عدم إطلاقه قبل التشاور مع قادة أطياف المعارضة السورية. 

فكان إطلاقه دون ذلك التشاور خطأ لا أَدلَّ على سوئه من أن أَول من رحَّب به النظام الإيراني، الذي رأى فيه أملاً في حدوث انقسام بين صفوف المعارضة السورية. 

ولا غرابة أن يُثنِّي على ذلك الترحيب كل المتواطئين مع النظام السوري؛ سواء كان تواطؤهم علناً أو مغلَّفاً بأردية لا تستر عورته. 

ومن أغرب ما يكون أن يَدَّعي من يَتولَّى، أو يُولَّى، قيادة جهة سياسية أن هناك من رجالات النظام من لم تُلطَّخ أيديهم بالدماء. 

ذلك أن كل رجالات ذلك النظام ورموزه مُلطَّخة أيديهم بالدماء، وكل من ظَلَّ في ذلك النظام فهو مجرم يجب أن ينال عقابه. 

أما الشرفاء فانشقوا عن النظام المجرم؛ مُنظِّفين أيديهم عنه وعن جرائمه؛ لا سيما تلك المرتكبة بعد اندلاع الهَبَّة الشعبية. 

على أن مما يبهج الخاطر، ويُعزِّز الأمل في النفوس، هو ما يُحقِّقه الأبطال على الأرض السورية الأبيَّة من انتصارات سوف تُكلَّل – بإذن الله وعونه – بالنجاح. 

وعند ذاك يندحر كل من لا يريدون بأُمَّتنا خيراً من المتواطئين والمتخاذلين. 

————————****

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية 

-- د.عبد الله الصالح العثيمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*