الأحد , 4 ديسمبر 2016

من "تويتر" إلى "كيك"

نحن أمام موجات عاتية من البرامج المتنوعة، وهذا يقتضي التوجه إلى التأثير عبر تعزيز الاختراع والاكتشاف وقراءة توجهات المستقبل ووضع الخطط اللازمة لمواجهة أثر البرامج والإسهام في تقليل آثارها

هناك فكرة يمكن أن نطلق عليها في عالم النت “النشوء والاضمحلال”، وذلك من خلال الرصد لطبيعة الانترنت منذ عام 1997م تقريباً إلى هذا اليوم، فكل فترة تخرج في النت “تقليعة” ينجفل الناس إليها بعنف حتى تبلغ أوجها ثم تبدأ بالاضمحلال، إلا أن هذا الاضمحلال لا يصل إلى مرحلة “الفناء التام” ولكنه يتوارى ليخرج منتج جديد يكون أكثر جاذبية للجمهور بميزة جديدة وشكل جديد.

كانت المنتديات في بداية النت هي الملتقى الذي تجمع فيه الداخلون الجدد، وجدوا فيه عالماً جديداً لم يعتادوه، غلبت عليه الأسماء المستعارة وكأن الناس دخلوا إلى حياة جديدة يعبرون عما يجول في خواطرهم بهذا الوافد الجديد، وبدأ العقل الباطن يعمل في تلك المنتديات أكثر من العقل الواعي، وظهرت فيه صنوف من الأخلاقيات المستغربة التي أفرزتها المنتديات حتى أصبحت أشبه بالمشارح التي تذبح فيها القيم، مع عدم إنكار قيمتها في الحراك الثقافي والفكري وتطوير الخطاب والأسلوب وتحسين الكثير من الوعي.

وكان بصحبة المنتديات إقبال كبير على برامج التواصل الصوتي والمرئي والكتابي كالبال توك والهيرمي وبرامج المحادثات وغيرها والتي فيها مرونة أكبر في التواصل وحجم التأثير فيها أكبر بسبب تنوع وسائل التواصل التي يعمل فيها الحرف مع الكلمة والصورة، ولا تزال فاعلة بشكل كبير، إضافة إلى ظهور “المدونات” الشخصية التي كانت مجالاً كبيراً للتعبير عن الأفكار الخاصة والهموم وأحدثت أثراً كبيرا ونقلة نوعية في الوعي والتدرب على بث الأفكار والتنافس في الأساليب والجرأة وحشد المعجبين والمتابعين.

ثم مع ظهور برامج التواصل الإجتماعي وخاصة “فيس بوك” و”تويتر” اكتشف العالم مجالاً جديداً للتواصل أكثر تأثيراً وأعظم جاذبية، وأصبح التنافس على حجم “السهولة في الاستخدام والانتساب” هو الجاذب الأكبر الذي جعل مئات الملايين من الناس ينتسبون إلى هذه المواقع، ولكنها كذلك لن تكون أفضل من سابقتها، فسوف يأتي عليها يوم كطبيعة الأشياء تشعر بحجم التنافس الذي قد يقضي عليها (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه).

فالأفكار ولادة لا تقف عند حد، وحجم التنافس كبير بسبب أثر الانترنت الاقتصادي العالمي، وكذلك دخول الحكومات التي ترى أن النت مجالاً لدراسة الأوضاع، ومتابعة الحراك الاجتماعي وتغيير الوعي العام والتحكم في الرؤية للمنتسبين، ودراسة تغيرات المجتمعات الثقافية وهذا سيفرز بلا شك مجالات تنافسية كبيرة.

 فالمواقع المليونية ليست بعيدة عن سلطة بعض الدول التي تستخدم هذه المواقع لتحقيق برامجها السياسية الداخلية والخارجية، وهذا يتضح من حجم التأثير الذي سببته هذه المواقع مع “الثورات العربية” التي جعلت “قوقل” يوفر البديل المناسب للتواصل في الثورة المصرية، بينما منعت ذلك عن الثوار في سورية بناء على رؤية سياسية كونية ترى في هذه المواقع سبيلاً إلى تمهيد العقول والوقائع للتغيير الممنهج الذي يخترق الحدود السياسية ويؤثر على الوعي العام في المجتمعات وخاصة تلك المجتمعات التي تستهدف لحركة استعمار جديدة من خلال الاختراق السياسي والثقافي والفكري وتجنيد الأتباع ودراسة الحراك وبناء الرؤية عن توجهات المجتمعات لرسم استراتيجية التعاطي معها.

هناك تطور كبير في برامج التواصل الاجتماعي والتي تتعاظم أعداد المنتسبين إليها يوماً بعد يوم حتى تصبح ملايين في أشهر معدودة، ومثال ذلك برنامج انستغرام Instagram الذي يهتم بعرض الصور للمنتسبين ،ويحقق قفزات هائلة في عالم التواصل الاجتماعي، أو برنامج keek الذي يهتم بعرض مقطع قصير جداً من الفيديو للمنتسبين.

وهذا الأخير فيه غثائية مقلقة ونزول في مستوى التعاطي، مع إقبال كبير من قطاع كبير من المجتمعات وخاصة النشاط الذي يلحظه المتابع للسعوديين فيه والذي يحاول البعض فيه تقديم النافع في خضم غثاء كبير، ولكنه وبقوة سوف ينافس مواقع التواصل الأخرى وخاصة في موضوع التسجيل والتنزيل للفيديو بسهولة ويسر، وسيكون مستوى الخطورة فيه أكبر من غيره على البرامج وخاصة إذا تأخر تويتر في خدمة الفيديو بسهولة.

إننا أمام موجات عاتية من البرامج المتنوعة، ظهر بعضها وبقي البعض ينتظر الفرصة المواتية، وهذا يقتضي منا يقظة في التوجه إلى التأثير عبر تعزيز الاختراع والاكتشاف وقراءة توجهات المستقبل واستشرافها ووضع الخطط اللازمة لمواجهة أثر البرامج أو المساهمة في تقليل آثارها أو صناعة مستقبلها بما يحقق لنا الحضور العالمي.

فالتقنية اليوم لا أرض لها إلا أرض من يبدع في اكتشافها والإسهام فيها، وليست محتكرة من جهة دون جهة إلا بالقدر الذي نكون فيه جريئين في اقتحامها وبذل البحث العلمي والذهني، فهي قد أصبحت جزءا من حياتنا التي لا فكاك لنا منها إلا بالتعاطي معها، وإقامة البرامج الموازية التوجيهية والتربوية وتعزيز الوازع الذاتي الذي يقلل من آثار منتجات العصر التقنية، فالوقاية خير من العلاج، والتحصين ضروري للأجيال من آثار فتن العصر ومشكلاته المعقدة.

***************

نقلاً عن صحيفة الوطن أونلاين

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*