الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إيران تَنْخُرُ كِيَانَ نفسِها..!

إيران تَنْخُرُ كِيَانَ نفسِها..!

فيما أنا ألوب الذاكرة الحرون، بحثاً عن موضوع جديد لمقالي الأسبوعي الرتيب، تذكَّرت النّحوي (عيسي بن عمر) الذي سقط من على ظهر حماره فتسابق المواسون والآسون إليه، فلمّا أفاق، صاح بهم قائلاً: (ما لكم تكأكأتم عليَّ كتكأكئكم على ذي جنة، أفرنقعوا عني) 

تذكّرت تلك الحكاية المصنوعة من (خصوم النّحاة)، حين تكأكأت عليّ الموضوعات، وكنت أذودها بحثاً عما له مساس بأحوال الناس. 

وما قطع دابر هذه الفوضى الخلاّقة إلاّ مجلة (البيان) التي يتكرّم ذووها بإهدائها لي، على الرغم من أنني لا أستطيع مكافأتهم إلاّ بالدعاء، وذلك أضعف المكافآت، وأهمها. فدعاء المسلم لأخيه في ظهر الغيب، أدعى للاستجابة. والكثير منا لا يعبأ بتلك المكافأة الأجدى، والأكثر نفعاً، والأقل تكلفة. وكم أتلقّى من الإهداءات التي أدعها في أغلفتها [البلاستيكية] لأنها كـ[لحم جمل غث على رأس جبل وعر]، كما جاء في حديث أم زرع وأبي زرع. 

ولما كانت مجلة (البيان) قد أعَدَّت ملفاً عن الظاهرة الإيرانية القلقة المقلقة، فقد جَعَلَتْ محور الملف (إيران تنخر كيان الأمة) وتلك رؤية لها ما يبررها، ولكن القراءات السياسية كما التقلُّبات الطقسية، أشتات متفرقة، ولأنّ السياسة [فَنُّ الممكن]، فقد كان بالإمكان أن تتسع الظاهرة الإيرانية لأكثر من قراءة، وكل قارئ يملك من الحيثيات والبراهين ما يمنح رؤيته الصواب الذي يحتمل الخطأ. وقبل أن أخوض في غمار المقالات والملفات والدراسات، قطعت بأنّ إيران إنما تنخر بمغامراتها كيان نفسها، وليس هناك ما يمنع من أن يمتد ضررها إلى من حولها، على سنن الفتن التي لا تصيبن الذين ظلموا خاصة. فقد يسلطها الله على من يشاء من عباده، للعقاب، أو للابتلاء، أو للاعتبار، وقد تكون بمغامراتها من محققات سنن (التداول) أو (التدافع)، وتلك من سنن الله الكونية، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)، وحين أختلف مع بعض الرؤى السياسية، يتحتّم عليّ نقض غزلها من بعد قوة أنكاثاً، فالدليل لا يُفُلُّه إلاّ البرهان القطعي الدلالة والثبوت. وما على المجتهدين من سبيل، إذا توفرت لديهم شروط الاجتهاد وآلياته، وخالط ذلك حسن نية، وسلامة قصد، وكان اجْتِهادهم بحثاً عن الحق، لا عن الانتصار. 

(إيران) التي رمى بها الغرب هدوء الشرق، واتخذ منها مخلب قط غبي، ستظل كالنار التي تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، متى أتقن المستهدف لغة اللُّعبة. لقد كانت، ولمّا تزل مَصْدر قلق لدول الجوار، وكلما خَبَتْ مغامراتها زادها المتآمرون واللاعبون في مصائر الشعوب سعيراً. وقراءة التاريخ القديم والحديث خير شاهد على أنّ [إيران] كما الجرح الغائر، الذي يَرِمُّ في بعض فتراته على فساد، ليكون على موعد مع الانفجار، كلما زاد احتقانه، غير أنه بهذا الكر والفر ينخر في كيان نفسه، فالأمة العربية والإسلامية تعي مضمراته، ومثيراته العنصرية والطائفية. ولقد أشرت في مقالات سلفت إلى أنّ العصبيات والتعصُّبات لا تزيد المستهدف إلاّ قوة، وتلاحماً، واستعداداً لجولات لا تبقي ولا تذر. ومشكلة الأقليات أنها ورقة رابحة بيد أعداء الأمة والدين. وتجربة [الصفوية] شاهد حيّ على فشل المشاريع الطائفية، أو العرقية. 

وتقصي ردود الفعل المجوسي مُنْذ الفتح الإسلامي، يؤكد أن الفرس كما الأعراب الذين قال عنهم أحكم الحاكمين:- (قالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، فمحاولاتهم لا تقف عند تقاسم السلطة، والغنائم. وجريمة (أبي لؤلؤة)، ومقتل (أبي مسلم الخرساني) و(نكبة البرامكة) تؤكد هذه الهواجس عندهم. 

ثم إنهم بنواياهم المبيتة بما لا يرضي الحق، حفزوا خلفاء (بني العباس) على التخلُّص من تفرد العنصر الواحد بتعدُّد العناصر، فكان على يد هذا الحل الاضطراري سقوط الخلافة العباسية، ونشوء ما عُرف بـ(الدول المتتابعة). 

والظاهرة الإيرانية تمكن التاريخ من إعادة نفسه، حذو القذة بالقذة، وحين أقطع بأن إيران تلعب بالنار، وتنخر كيان نفسها، لا أنطلق من رهانات خاسرة، فالمشهد العربي مر بظاهرة مماثلة، تولى كبرها المد القومي بزعامة (الثورة المصرية)، وتحت أجواء ملائمة، تمثلت بصراع الشرق الشيوعي، والغرب الرأسمالي. وهو صراع جَذَّاب، غَيَّب العقل العربي، وأجّج العواطف الجيّاشة، وقضى على القيم الحسية والمعنوية، 

وأذلّ الأُمّة العربية، وفرّق كلمتها، وأوهن عزائمها، فكان أن طرح الجناح الغربي المشروع العربي الإسلامي، لمواجهة المشروع القومي الاشتراكي، ولما سُقِط في أيدي الطرفين، وبدت آثار [نكسة حزيران] المشؤومة، وكَشَّر اللاعبون الماكرون عن أنيابهم، رُفع شعار [عفى الله عَمَّا سلف] والتقت الأطراف على ما بقي من أشلاء، لا تخيف الخائفين، فضلاً عن المخيفين. وكأني بالظاهرة الإيرانية تمارس الدور ذاته، الذي أردى الأمة، وأذهب ريحها، ولكن من خلال خطاب طائفي عرقي، يلوذ به المضطر رهبة لا رغبة، واضطراراً لا اختياراً. وبقدر الغرور الذي اجتاح القوميين العرب، جاءت عزمات الطائفية العرقية، فكانت أحلام الهلال الشيعي الممتد من الشرق الأقصى إلى الشرق الأدنى. من (باكستان) و(أفغانستان) وانطلاقاً من (إيران) باتجاه (العراق) وانتهاءً بـ(سوريا) و(لبنان). 

ولقد تَوَّهم البعض أنّ (إيران) حَليف خَفِيٌّ لأمريكا، وأنه يشكل الخوافي لقوادم الأجنحة الأمريكية الصهيونية. ويستدل أولئك المتوهّمون بتسليم (العراق) لـ(إيران). وتلك الظواهر الفاقعة اللون، لا تصلح أن تكون شواهد لمكر اللعب السياسية الكبرى، والقراءة الأعمق للأحداث، تكشف عن فشل أمريكا الذريع في العراق، وعجزها عن حسم الفتنة، ولكي تُرْدي طريدتين بسهم واحد، وتخرج من المستنقع العراقي، بما بقي من ماء الوجه، وتزج إيران بذات المستنقع، فقد سلّمته العراق، كأعقد مشكلة، وأخطر مهمة. وفي يقينها أنّ (العراق) و(إيران) سيخسران نفسيهما، ويكفيانها مؤونة تحقيق توازن القوى بالمال الإيراني والدم العراقي. ولا أحسب أنّ أحداً يملك مصادرة حقي في طرح قراءتي، وإن كانت غرائبية في نظر البعض. وكيف لا أتوقع التفسح لي في مشهد يفيض بجهلة القراء المتحكمين به، والممسكين بمفاصله. 

وإيران بعد سقوط (الشاه) خاضت مستنقع الفتن، فـ(الخميني) الذي جاء محمولاً على الأكتاف، لم يكن سياسياً محنكاً، ولا طائفياً ماكراً، لقد ركن إلى غوغائية الشارع العام، وراهن على النصر من خلال الحناجر التي لا تملك إلاّ الزعيق، وقيّض الله له ثورياً بعثياً، ينكسب عن ذكر العواقب جانباً، فتسابقا معاً في طرق الغي، وتهافتا في أتون الفتن، وأشعلا في المنطقة حرباً ضروساً، حصدت الملايين، ودمّرت كل شيء أتت عليه، ولما تزل ذيولها قائمة. 

وعقدة تصدير الثورة واكبها تصدير الطائفية، والتقت الفتن على أمر قد قدر. ولما زهقت روح (الخميني) تحت وابل الهزائم، خلف من بعده من استنّ بسنّته، وتمسّك بشعاراته، الأمر الذي جر المنطقة كلها إلى بؤر التوتر، ومكَّن اللاعبين من طرح لعبهم، وتمكين نفوذهم، وارتهان المنطقة لاحتمالات الانفجار في أي لحظة. 

وما كانت (إيران) بملاليها وآياتها بمعزل عن أسوأ النتائج، ورهاناتهم تقوم على تصدير الثورة والطائفية، وهي أحلام طائشة، لا تسندها إمكانيات، ولا تُسَهِّل نفادها شرعية، وهي فوق ذلك طموحات معقّده (يتداخل فيها الديني بالقومي والثورية بالبرجماتية) كما يقول عضو منتدى المفكرين المسلمين (صباح الأحوازي) والذي برّر الحراك الإيراني بقيامه على أربعة مرتكزات: (الجغرافي، والتاريخي)، و(الديمغرافي، والعقائدي) وهي مرتكزات تضليل، وشَحْنٍ للعواطف، وقفز على الواقع. 

والملف الذي أثار كوامن النفس، يتطرّق إلى الممارسات الإيرانية في (العراق) و(سوريا) و(تركيا) و(غانا) و(اليمن)، وسائر مناطق النفوذ الطائفي، وكلها تقوم على التخويف، واستنهاض الهمم لوضع (إستراتيجية) تطوق هذا الإخطبوط الدموي. وفي تقديري أن مغامرات (إيران) ليست مدروسة، إذ ليس من مصلحتهم التعرِّي بهذا القدر، وكان من مصلحتهم تفعيل عقيدة (التقية)، فالعقيدة الشيعية لا تصمد أمام العقلية العلمية، وما طرحت (التقية) عبثاً، إنها الملاذ الآمن لمذهب يقوم على الخرافة، ويتعمّد هدم التاريخ السياسي والحضاري للأمة الإسلامية. 

ورهاني يقوم على أنّ (إيران) بكل ممارساتها تنوب عن أعدائها في تدمير ذاتها، ومن الخير للأمة الإسلامية إلاّ تضع الحسم هدفاً، فالزمن كفيل بالقضاء على هذه الأحلام الطائشة. 

وبمثل ما انتهى المد القومي الاشتراكي، سينتهي المد الشيعي الفارسي، ومتى واجهناه بنيَّة الحسم الناجز رفعنا قيمة (فاتورة المعركة)، وتلَقّينْا رَفْسَة الذبيح. 

——————-*****

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية 

-- د. حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*