السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الذكرى الثانية لحركة 20 فبراير : ذكرى للاعتبار

الذكرى الثانية لحركة 20 فبراير : ذكرى للاعتبار

تحل الذكرى الثانية لتأسيس حركة 20 فبراير التي تشكلت نواتها الأولى في رحم الموقع الاجتماعي “الفيسبوك” على غرار الولادة الأولى لثورات ما بات يعرف “بالربيع العربي” . وإذا وحّدت الولادة الأولى بين صيغ الاحتجاج لدى الشباب العربي في الشعارات والأهداف والمطالب من أجل الديمقراطية والحرية والكرامة ، فإن مسارات الحركة ومآلاتها باعدت بين التجارب الشبابية لخصوصيات الواقع السياسي والثقافي لكل تجربة . وبعد العامين من انطلاق الحركات الاحتجاجية ، يمكن مقاربتها على مستوى النتائج والمآلات التي انتهت إليها في كل بلد . وبهذا الخصوص ، يمكن القول إن التجربة المغربية التي تميزت بها حركة 20 فبراير  يُحسبُ لها ما يلي :

1 ـ نضج غالبية مكوناتها ، خاصة مناضلي اليسار الذين خبروا النضال والتضحية من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة ويعرفون جسامتها وأهميتها . فهم أكثر تقديرا للمكاسب التي تحققت وأكثر حرصا على صيانتها وحمايتها من كل تراجع أو ردّة . لهذا لم تكن هذه الاحتجاجات عمياء لا تدري أين تسير ولا بلهاء لا تدرك نهاية المسير . فالحركات الاحتجاجية بدون قيادة ناضجة  انتهت إما إلى فتنة أضاعت المكاسب وخسرت المطالب ، أو رهينة بيد قوى عديمة الخبرة والتجربة . 

2 ـ اتفاق معظم المكونات على إمكانية التغيير والإصلاح من داخل النظام الملكي . إذ بفضل ما راكمته من تجارب نضالية غنية وطويلة باتت مدركة لطبيعة النظام السياسي في المغرب بامتداداته التاريخية والشعبية والدينية ، وبقابليته للانفتاح حسب موازين القوى . فأي نظام بديل لن يحظ بالإجماع ولن يخلق مساحة للتوافق بين القوى السياسية وكل مكونات الشعب المغربي الذي يدرك أن هامش الحريات وإمكانية التغيير في ظل النظام الملكي أكبر بكثير مما تسمح به أو تتيحه الأنظمة الجمهورية في العالم العربي . 

3 ـ تحديد سقف المطالب منذ الانطلاقة الأولى حذرا من كل الانحرافات . ذلك أن الوعي الموضوعي بطبيعة التناقضات ، سواء فيما بين مكونات الحركة (إسلاميين وعلمانيين ) ، أو بينها  وبين النظام الملكي ، جعل هذه المكونات على حرص شديد بتحديد الشعارات وتثبيت سقف المطالب حتى لا تعصف به الحسابات الضيقة أو تسطو عليه القوى الانقلابية التي تحمل مشروعا ليس فيه مكان لليساريين والعلمانيين . فكان من الذكاء السياسي تحديد سقف المطالب السياسية والدستورية عند “الملكية البرلمانية” كإطار يضمن سلطة الشعب وسيادة القانون دون تهديد للاستقرار السياسي أو تمزيق للحمة المجتمع . 

4 ـ وعي المكونات التي شكلت نواة الحركة بطبيعة التقاطبات السياسية وتباين الإستراتيجيات ، خصوصا لدى جماعة العدل والإحسان التي وضعت سلسلة من التكتيكات بغرض تحويل الحركة الاحتجاجية إلى نواة ثورة /قومة تندلع في عموم المغرب على غرار ما حدث في تونس ومصر ، ولا تتوقف إلا بإسقاط النظام . كانت حماسة العدليين واضحة وخططهم مكشوفة لبقية المكونات . الأمر الذي أفشل إستراتيجية الجماعة فقررت الانسحاب من الحركة ووقف الدعم لها . فالجماعة ظلت ترفض أن تكون قوة عددية لحركة 20 فبراير دون أن تكون قوة قائدة ومقررة لمسار الحركة ومآلها . وباعتبار الجماعة قوة تنظيمية وعقدية في ظل غياب قوى على نفس الدرجة  لتكون منافسة ورادعة ، فإن أي ثورة تندلع ستؤول لصالح الجماعة طوعا أو كرها ، غلبة أو توافقا .

5 ـ استقلالية المكونات عن القوى الخارجية التي دعّمت الثورات بالمال والإعلام ، وخاصة دولة قطر التي باتت إستراتيجيتها واضحة ومرفوضة حتى من الشعوب التي قامت بالثورة . ففي مصر  وصف المحتجون الاتفاقية التي وقعتها قطر مع حكومة قنديل  لاستثمار مليارات الدولارات في منطقة قناة السويس بأنها محاولة أجنبية للسيطرة على الاصول الوطنية المهمة. واعتبار للدور الذي تلعبه قطر أثنى عليها اري راتنر ــ وهو مستشار سابق لشؤون الشرق الاوسط في وزارة الخارجية الامريكية ــ بقوله “ثمة تقدير واسع للدور الايجابي الذي تقوم به قطر في المنطقة”.

6 ـ  الاستفادة من أخطاء الثورات العربية التي أسقطت استبداد الأنظمة السياسية لتقيم نظم الاستبداد الإخواني . إذ كانت بوادر الركوب على الثورة واختطافها من طرف جماعة الإخوان ، سواء في مصر أو تونس ، بادية لا تحتاج تخمينا ولا افتراضا . ذلك أن رفض صياغة الدستور في مصر قبل الانتخابات الرئاسية كان تآمرا على الثورة واختطافا لها ، بل استغفالا للثوار الشباب . كما أن حالة الفوضى وانهيار الأمن جعل مكونات حركة 20 فبراير وقواعدها الشعبية أشد حذرا من الانزلاقات المحتملة وأقل اندفاعا وحماسة لركوب المغامرة. إذ لم تقدم ثورات الربيع العربي لحد الآن نموذجا مغريا يشجع على اعتماده أو استنساخه رغم مرور عامان على الثورات . 

7 ـ إن مكونات الحركة ليست حديثة عهد بالاحتجاج في الأماكن العمومية ؛ فهي تضبط آلياته التنظيمية والأدبية بما يجنبها الصدام والاستفزاز فتحافظ على سلمية حركتها الاحتجاجية حتى في الأماكن ذات الحساسية السياسية . إذ بفضل اليقظة والتجربة ، حمت الحركة نفسها من المندسين وعناصر التخريب التي من شأنها استعداء الشعب والدولة ضد الحركة . الأمر الذي حافظ على طبيعتها السلمية وأكسبها تعاطفا واسعا وقدرة على التأثير في القرار السياسي للنظام الذي بادر إلى تعديل الدستور وإجراء الانتخابات التشريعية على قدر كبير من الشفافية قياسا لسابقاتها . فهل استنفذت الحركة مهامها ؟ سؤال يكون موضوع العمود المقبل إن شاء الله.

-- خاص بالسكينة : سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*