الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الزحف الأصولي وخطر تكميم الأفواه

الزحف الأصولي وخطر تكميم الأفواه

أثار انتباهي خبر تعرض الأستاذ محمد المرابط المندوب الجهوي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لجهة طنجة تطوان ، للتهديد بالعقاب بنفس الطريقة التي عوقب بها رشيد نيني ، من طرف السيد محمد الرواندي نائب رئيس المجلس العلمي الأعلى . والتهديد بعينه يستدعي طرح أكثر من علامة استفهام ، واستحضار أكثر من دلالة : 1 ـ الشخصيتان معا تنتميان للحقل الديني الذي لا مجال فيه للصراع أو الترهيب ولا الإقصاء أو التمذهب . وكون السيد الرواندي يهدد السيد المرابط ، فهذا دليل على وجود خلل حقيقي في المجال الديني بمستوييه الإداري والإرشادي . ومدخل هذا الخلل لا بد أن يكون سياسويا وإيديولوجيا. ومن شأن هذا المنحى الذي ارتضاه وسعى إليه السيد الرواندي لمواجهة السيد المرابط بأدوات لا علاقة لها بالحقل الديني ، أن ينقل الصراع الإيديولوجي الذي تسمح به الساحة السياسية حيث يضمن الدستور لكل الأحزاب التعبير عن قناعتها الفكرية وبرامجها الانتخابية ومشاريعها المجتمعية في إطار سلمي ، إلى داخل الحقل الديني الذي مهمته حماية المعتقد المشترك وضمان السكينة والأمن الروحي للمواطنين . فيكون السيد الرواندي قد خرج  فعلا عن النهج الذي رسمه الملك ، بصفته الدستورية أميرا للمؤمنين  ، وبات حريصا على بث بذور الفتنة  المذهبية بين الفقهاء والعلماء الذين اختيروا للعضوية في المجالس العلمية على أسس دينية ووطنية توحد المغاربة وتتعالى على الخلافات السياسية والمذهبية . ذلك أن وحدة الوطن رهينة بوحدة الشعب وتماسك لحمته .

2 ـ الحقل الديني من اختصاص إمارة المؤمنين . مما يعني أن العاملين فيه لهم مهام محددة هم مأمورون بتنفيذها وفق ما تنص عليه القوانين التنظيمية . وتجدر الإشارة هنا إلى مضمون الرسالة الملكية إلى أعضاء المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، بمناسبة انعقاد الدورة العادية الأولى للمجلس العلمي الأعلى لسنة 2009، حيث شدد الملك (على تعزيز الأمن الروحي بمملكتنا، بتحصين عقيدتها، وصيانة وحدتها المذهبية، والذود عن ثوابتها وقيمها; فإننا ما زلنا نؤكد على ضرورة إدماج الخطاب الديني، في صلب المشروع المجتمعي الذي نعمل جادين على إنجازه، لتحقيق التنمية البشرية المنشودة، ورفع تحدياتها واستشراف المستقبل، في ثقة وعزم واطمئنان). فلا ينبغي أن تخرج مهام وأنشطة المشتغلين في الحقل الديني عن هذه التوجيهات . وكون السيد الرواندي الذي ينتمي للمجلس العلمي  يهدد السيد المرابط الذي ينتمي لوزارة الأوقاف ، فالأمر يستدعي البحث عن خلفية التهديد وأهدافه . ذلك أن تهديدات السيد الرواندي الذي ينتمي لحركة التوحدي والإصلاح تجد معناها ومبناها في إستراتيجية حزب العدالة والتنمية الذي يعمل جادا من أجل النفاذ إلى مفاصل الدولة ومؤسساتها بهدف شرنقتها وتحويلها إلى قطاعات موازية له تصرّف رؤاه وتوجهاته الفكرية والإيديولوجية . وباعتبار السيد المرابط حداثي المشرب والقناعة الفكرية ، فإنه ، ومنذ تعيينه مندوبا لوزارة الأوقاف ، بات هدفا مباشرا لحركة التوحيد والإصلاح وذراعها السياسية حزب العدالة والتنمية اللذين يخططان للاستيلاء على الحقل الديني بكل الوسائل .  فالحقل الديني بإشراف إمارة المؤمنين يظل الجدار الأخير والحصن المنيع الذي يواجه المد الأصولي ويحمي المجتمع مع الاختراق المذهبي والفتنة الطائفية . والسيد المرابط هو من العلماء القليلين الذين خاضوا ولا يزالون معارك شرسة ضد إستراتيجية حركة التوحيد والإصلاح ومعها حزب العدالة والتنمية . لهذا ، وبعد أن آلت السلطة إلى الإسلاميين ، فإن فقهاء الهيئتين (الحركة والحزب ) باتت لهم أداة سياسية  (= رئاسة الحكومة ) وأداة قانونية (= وزارة العدل ) توهمانهم أنهم طليقو الأيدي للانتقام ممن كانت لهم سابقة المواجهة والمناهضة ؛ وإلا كيف يسمح السيد الرواندي لنفسه بتهديد السيد المرابط بنفس ما عوقب به رشيد نيني . ونعلم أن هذا الأخير حوكم وقضى محكوميته في السجن . فهل السيد الراوندي يخطط لإدخال السيد المرابط إلى السجن ؟ وكيف له ذلك وهو في الحقل الديني وليس المجال القضائي ؟؟ بالتأكيد يريد إيصال رسالة واضحة مفادها أن الحزب الذي يحمل حقيبة العدل يملك سلطة المعاقبة وقرار تكميم الأفواه وحبس المناهضين له .   

3 ـ مجال الأوقاف والشؤون الإسلامية يقع تحت وصاية وتدبير وزير الأوقاف السيد أحمد التوفيق وليس المجلس العلمي الأعلى . فبأي وجه إداري أو سياسي أو قانوني يسمح عضو  الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى لنفسه تهديد المندوب الجهوي التابع لوزارة الأوقاف ؟ هل باتت وزارة الأوقاف عاجزة عن تدبير مرفقها أم غدت تحت وصاية المجلس العلمي الأعلى ؟؟ أكيد أن تجاوز الاختصاصات هو تطاول سافر على القانون والدستور يستدعي الردع والتنبيه . دون ذلك سيصبح هذا الانحراف اللامسئول قاعدة تغري أعضاء الحركة والحزب باعتماد التهديد والانتقام سلاحا فعالا لردع الخصوم وترهيب المنافسين حتى  لا يعلو أي صوت فوق صوتهم . وطالما في الوطن عروق تنبض بحبه فلن  نبلع ألسنتنا ولن نكسّر أقلامنا  .

-- خاص بالسكينة : سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*