السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ذهاب الأمم بذهاب أخلاقها

ذهاب الأمم بذهاب أخلاقها

الحل لغالبية ما نعانيه في حياتنا وتعاملاتنا هو تنمية الأخلاق في المجتمع و بروز قدوات صالحة للمجتمع تمارس الصدق والأمانة والشفافية والعدالة وحب الخير للناس

المتأمل في أحوالنا اليوم سوف يلحظ أن كل خير في حياتنا وكل نافع في معاشنا وراءه قيمة أخلاقية حميدة ، وبالمقابل كل شر و كل ضُر وكل فساد وراءه قيمة أخلاقية ذميمة .. بل تجد في كثير من الأحيان أن مظهراً من مظاهر الخير يخفي وراءه مجموعة من القيم الأخلاقية الحميدة وفي المقابل أن كل مظهر من مظاهر الفساد تتشابك في مجموعة من الأخلاق الذميمة .. فمن الفساد الإداري على سبيل المثال عدم الاعتماد في اختيار الموظفين على مبدأ الجدارة وإنما على مبدأ الولاء والجماعة و الشللية ، فيقف وراء هذا السلوك جملة من القيم الأخلاقية الذميمة ، منها خيانة الأمانة بعدم اختيار الأكثر جدارة ، و الظلم بحرمان الأجدر بالوظيفة ، والكذب والتزوير بتقديم مسوغات لاختيار الأقل كفاءة ، والإضرار بالناس بسبب ضعف أداء الأقل كفاءة .. وهكذا ؛ وفي الغالب كل فساد يجمع سلسلة من الأخلاق الفاسدة والسيئة و يؤديه مجموعة من الفسدة على طريقة (أمسكلي و اقطعلك) ..وضعف الأداء الذي نعيشه في معظم الجهات الحكومية ويكون سبباً في تعكير صفو حياتنا مرده في الأساس لعدم اعتماد مبدأ الجدارة في اختيار الموظفين .. فتعقيد الإجراءات وطول أمد إنهاء المعاملات والقضايا ، بل وحتى الحفر والمطبات في شوارعنا ، و ازدحامها وغياب منظومة النقل العام ، وسوء نظافتها ، و و .. كل ذلك بسبب عدم إيكال الأمور إلى أهلها من أهل الجدارة و الكفاءة و الاختصاص ..

و لو عكسنا الصورة باعتمادنا مبدأ الجدارة في اختيار الموظفين سنجد مجموعة من الأخلاق الحميدة قد اجتمعت لتقابل تلك الأولى وهي هنا الأمانة والعدل والصدق والشفافية ونفع الناس ..

ومثال آخر من الفساد المالي وهو فساد وضع اليد على الأراضي وهو ما اصطلح على تسميته مؤخراً بالتشبيك ، ستجد أيضاً وراءه مجموعة من الأخلاق الذميمة ومنظومة فساد يديرها زمرة من المفسدين ، منها أكل المال الحرام بوضع اليد على أراضٍ بغير وجه حق ، والكذب عند الادعاء بالإحياء ، وشهادة الزور عند احضار الشهود بالإحياء ، والاحتيال بمظاهر إحياء مؤقتة لحين إتمام وضع اليد ، والرشوة لتمرير المعاملة في الجهات المعنية ، والأنانية بالاستيلاء على مساحات شاسعة وحرمان الغير من نصيبهم فيها ، وأهمها الظلم العام والمتعدي بالتسبب في شح الأراضي وارتفاع أسعارها وبالتالي حرمان غالبية الناس من حقهم في الحصول على أرض من أجل سكن يؤويهم ..

كنت في الأسبوع الماضي في اجتماع مطول في مجلس إحدى الجمعيات المعنية بالارتقاء بسلوك المجتمع ومعالجة بعض الظواهر السلبية ، وقد حفل جدول أعماله بالكثير من الموضوعات والإنجازات ، و ظللت طوال الاجتماع أتأمل ما نشكو منه و ما نحاول عمله ، فوجدته كله متعلقاً بتعديل سلوكيات سلبية لبعض أفراد المجتمع ، وأن هذه السلوكيات يقف وراءها نقص في الأخلاق الحميدة ، وغياب القدوات في السلوكيات الإيجابية .. و بالتالي فإن الحل لغالبية ما نعانيه في حياتنا وتعاملاتنا هو تنمية الأخلاق في المجتمع وبروز قدوات صالحة للمجتمع تمارس الصدق والأمانة والشفافية والعدالة وحب الخير للناس .. وأما بروز القدوات السيئة وتفشي ممارسات الكذب والخيانة و الظلم فهو إيذان بذهاب الأمم و ذهاب أمنها و تقدمها ورخائها .. و قد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي عندما قال:

ألا إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

و قبله صلى الله عليه وسلم الذي قال : إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق

فإن أردنا النهوض بمجتمعنا وأمتنا فعلينا بتنمية الأخلاق الحميدة في المجتمع وإبراز القدوات الصالحة ، و يقع الحمل الأكبر في هذا الجانب على الحكومة وجهاتها المعنية وأهمها وزارتا التربية والتعليم ، والثقافة والإعلام ، و أما وزارة الشئون الاجتماعية فيتمثل دورها في التصريح والدعم لمؤسسات المجتمع المدني للقيام بدورها في تنمية أخلاق المجتمع فقد تأخرنا كثيراً في تفعيل دور المجتمع المدني. ولعل من المناسب هنا تكرار مطالبة الوزارة بسرعة التصريح لجمعية (مكارم) التي تقدم مؤسسوها بطلب تأسيسها منذ حوالي ثماني سنوات وهي جمعية تهدف حسبما ورد في نظامها الأساسي إلى إحداث تغيير إيجابي في سلوكيات المجتمع ، وزيادة معرفته بمكارم الأخلاق ، وتعميق فهمه بها و بتطبيقاتها على الحياة ، وتحقيق الاستقرار النفسي عبر مكارم الأخلاق الإسلامية ، وتحسين صورة المسلم أمام المجتمع العالمي. 

fayezjamal@yahoo.com

——————–

نقلاً عن صحيفة المدينة السعودية

-- د. فائز صالح جمال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*