الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإخوان وتصدير القلق

الإخوان وتصدير القلق

من يقرأ مشوار جماعة الإخوان يجد أنها على مدار سنوات عديدة انتقلت الى كثير من أقطار العالم الى ان تبلورت صورتها الحالية في تنظيم مصري سياسي يقود تنظيماً دولياً من خلال شبكة شديدة التعقيد غير مسبوقة في بيروقراطيتها، الا أنها أيضا فريدة في ترهلها ومنغمسة في شيخوختها، واذا أردنا ان نقرأ حالة الإخوان قراءة صحيحة بعد الثورة المصرية العظيمة الى ان وصلت للحكم نجد أنها كانت ومازالت تمر بمرحلة «أزمات» وقد اختلف المحللون حول مبعث هذه الأزمات فمنهم من ألقى بتبعة «الأزمة» على الأنظمة السابقة على الثورة ومواجهاتها الأمنية للإخوان، ومنهم من ألقى بالتبعة على الإخوان أنفسهم بسبب استغراقهم في العمل السياسي التنافسي وهجرهم للعمل الدعوي، الا أن كلا الفريقين لم يقترب من الصورة الحقيقية «للأزمات والأوجاع والترهلات» تشخيصا لها أو تحذيرا منها أو بحثا عن الوسائل الفعالة لمحاربتها.

وأبرز أزمات الإخوان التي تتحكم في مستقبل حركتها هي أنها لم تستطع قراءة الثورة بشكل صحيح، حيث اعتبرتها وسيلة للقفز على كرسي الحكم دون ان تنتبه لمفاهيم الثورة، كما لم تقم بتصدير هذه المفاهيم الى داخل الجماعة وبالتالي فقد أصبحت فاقدة القدرة عن التعبير عنها، والحقيقة ان الشعور بالثورة وقراءة مفاهيمها ومن ثم ممارسة هذه المفاهيم ليس شيئا ترفياً، اذ لابد في الثورات أن تحدث ثورة داخلية في المؤسسات والهيئات، ومن لم يستنشق عبير الثورة يعش أبد الدهر بين الكهوف، تسبقه الأحداث والأزمان، والثورة فرصة، والفرصة لا تتكرر، ومن لا ير القطار فلن يستطيع ركوبه من أبوابه المشرعة إذ سيكون وقتها تحت قضبانه، واذا كان لكل زمن فكرته ولكل واقع ما يناسبه، فان واقع مصر الحالية يختلف عن واقعها السابق، لذلك فان الذي يقف مكانه جامدا على ظن منه ان الوقوف والجمود ثبات على الموقف، تسبقه حتما الأحداث والأفكار، حينها سيبيت نائما في دواليب التاريخ.

ومن ناحية أخرى لم تدرك الجماعة أنها تستمد قوتها من اختلاف الرأي، وأنها تضعف وتضمحل لو اكتفت برأي واحد ولون واحد، فالاختلاف قوة وصحة، وليس بالضرورة ان يكون الاختلاف تضاداً أو المختلف عدواً، فمعظم الاختلاف تنوع، والتنوع يضمن حفظ النوع، واذا ظنت الجماعة أنها تحفظ كيانها بالتوحد فإنها تكون مخطئة، فالله جل شأنه حفظ أنواعنا بالتنوع، وفوق هذا فان وعي شباب وقادة الإخوان قد تشكل على ان نقد الجماعة هو نقد للإسلام، فأصبح صدر الجماعة ضيقا متبرما متأففا وهي تواجه المختلفين معها والناقدين لها، وقد ترتب على ذلك ان ضاعت عليها فرص ذهبية للتقدم والانطلاق والتلاقي مع كل القوى السياسية الوطنية، وقد خلق لها هذا «التوحد» فريقا واسعا من الخصوم، ومن اتخذ لنفسه عدوا أفسد على نفسه صديقا.

ومن ناحية ثالثة فان خيارات الجماعة الفقهية لم تكن متوافقة مع الواقع، فالفقه ابن للزمن وابن للواقع، وطالما ان الشريعة الإسلامية تتميز بالسعة والمرونة وتعدد الصواب، فلا داعي ان نضيق واسعا ونتجمد على فكرة وإن كان لها سند، فالرأي الآخر أيضا له سند، وليس الصواب شيئا واحدا، فقد أنزل الله سبحانه وتعالى الإسلام ليكون للعالمين جميعا والى ان تقوم الساعة، واذا كان من المستحيل ان ينتظم الخلق كلهم في فهم واحد، لذلك أباح الله لنا ان تتعدد الأفهام، ولكن الجماعة وهي تحكم الشعب المصري الطيب البسيط المتدين بالفطرة لم تختر الفقه الذي يناسب الواقع وتشددت في غير موضع التشدد.

وبسبب هذه المثالب الفكرية والحركية وغيرها أصبحت جماعة الإخوان هي «جماعة الفرص الضائعة» ولا يعتبر ظهورها على سطح مائدة الدولة نجاحا أو تميزا اذ أنها تعلم ان هناك جملة أسباب سياسية واجتماعية هي التي دفعتها الى المقدمة، الا أنها ظنت أنها أوتيت التقدم من عندياتها فكان ان اتبعت سياسة الاحتكار وهجرت مبدأ المشاركة، ولأنها احتكرت فقد احترقت.

—————-

نقلاً عن الوطن الكويتية

-- ثروت الخرباوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*