الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المغيبون عن المشهد العالمي: القارة الهندية مثالا !! 2-2

المغيبون عن المشهد العالمي: القارة الهندية مثالا !! 2-2

نتفرج نحن على سقوط المدائن؛ بل سقوط القارات في أحضان الثقافة الفارسية التي آمنت في بدء اشتعالها بتصدير «الثورة» عسكريا وفكريا وإعلاميا، وسعت إلى اختطاف الدور العروبي الذي كان ذا وهج خاص في الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي وما بعدها إلى حرب رمضان 1393هـ وفي مصر القومية بالتحديد أيام عبد الناصر ثم في العراق الذي خلط البعث بالقومية في توليفة غريبة مضطربة، فقضت إيران بتواطؤ من الغرب وعلى رأسه أمريكا على الهاجس العروبي في الخطاب وفي التجمع وفي التوحد على رؤية واحدة، ثم سعت إلى اختطاف الدور الإسلامي وهو ما نحن بصدد الحديث عنه في هذه المقالة الموجزة المركزة؛ فمنذ أن تبنى الغرب احتضان الخميني ليضطلع بدوره المرسوم له في اقتسام الهيمنة على المنطقة بالتوازي مع إسرائيل والمدُ الفارسيُ المتشيع زورا يزاحم الخطاب الإسلامي السعودي في المحيط العربي القريب وفي الفضاء العالمي، وهو إن تراجع عن مصطلح تصدير الثورة النزق الذي أطلقه فور نجاح انقلاب الخميني على الشاه لما لمسه من استهجان ومقاومة ونفور من العرب؛ فإنه آمن كعادته أن العمل بالتقية السياسية كما هي التقية المذهبية والدينية هو أنجع الوسائل في الوصول إلى تحقيق الأهداف، ولذلك اشتغل على تصدير الثقافة الفارسية والتزيين والبهرجة لمفهوم الإسلام الفارسي القائم على التشيع المدعى في موازنة الإسلام السعودي القائم على الوهابية كما يصفه الخطاب الإعلامي الفارسي المعادي! 

إذاً وجد الخطابُ الإسلامي السعودي مع مطلع القرن الهجري الجديد أمامه قوة ثائرة فائرة هائجة قائمة على تراكمات تاريخية من محاولات الانقلاب على الهيمنة العربية عبر قرون ممتدة من التاريخ الإسلامي وقد واتتها الفرصة سانحة بتأييد الغرب للقوة الفارسية المتهيجة المنتظرة والغرب يريد من ينفذ عنه خططه أو بعض خططه وعلى الأخص حين تكون العمامة الإسلامية على رأس المنفذ وحتى لو كانت عمامة مزيفة مصطنعة لا تصل إلى جوهر ما تحت العمامة ولا تتلاقى معه في المعتقد أو الرؤية! 

اشتغلت إيران على تصدير ثقافتها؛ فتبرعت بملايين الدولارات، وبنت كليات ومشاف وابتعثت طلابا غير إيرانيين إلى جامعات عالمية، واشترت محطات تلفازية، واستكتبت واستأجرت متحدثين، ودفعت أيضا ملايين لبناء حسينيات – كما تسميها – في عواصم المنطقة العربية وأفريقيا وأوربا والقارة الهندية، وغيرت بإغراء المال آلافا من السنة إلى التشيع، وأقامت حفلات التأبين في ذكرى وفاة الخميني فعلقت صوره في شوارع عواصم عالمية وأقامت حوله الندوات البحثية والمؤتمرات العلمية، فما الذي فعلنا نحن لمواجهة هذه الحرب الفكرية والإعلامية الضروس؟! 

الحقيقية أننا كرماء، ندفع أموالا طائلة لإغاثة المنكوبين، ومساعدة المتضررين من الأزمات، ونبني مساجد، ونبعث دعاة بأعداد قليلة؛ ولكن أثر كل ذلك الدعم وكل ذلك الإنفاق لا يكاد يبين؛ لأن الاندفاع إلى العون والمساعدة يأتي استجابة فورية، ولأن إرسال الوفود أو بناء بعض المساجد لا يحدث نتيجة خطة؛ بل تحقيقا لمطلب من جماعة إسلامية أو من إقناع من أحد سفرائنا في دولة من دول العالم. 

الحق أننا في وضع سيئ من حيث الحضور السياسي والإعلامي في وقت كان من السهل جدا أن نملأ الفراغات التي كانت تملؤها مصر -مثلا- فقد تخلت مصر عن دورها السياسي القومي نتيجة لتحولات سياسية مختلفة، وكان من المناسب أن ننمي الخطاب الإسلامي السعودي العربي القائم على الاعتدال والموضوعية والاتزان والبعيد عن الضجيج الغوغائي الفارغ، وكان من الممكن أيضا لو أن خطابنا الفكري والإعلامي تخلق وفق ما تمليه المرحلة لسد كل الثغرات التي ولج منها الخطاب الفارسي المتطرف المفرق المهيج المصعد نعرات العداوات والشعوبية والمثير أقاويل الاتهامات والتضليل والمشيع مفهومات الكراهية والتعصب المذهبي الذميم. 

ولئن تصرمت الآن ثلاثة عقود من استرخاء الحضور السياسي والإعلامي السعودي على المستوى القومي والإسلامي وتنامى في ظلال ضعف ذلك الحضور المد الفارسي المتطرف؛ فإن المؤمل أن تتغير هذه المعادلة غير المقبولة مع اتجاه الملك عبد الله بن عبد العزيز – متعه الله بالصحة والعافية – إلى ضخ دماء شابة جديدة في بنية الدولة، وتوليد طاقة خلاقة من العقول النيرة المتوقدة على صعيد السياسة الخارجية والإدارة المحلية؛ وربما تتبين ملامح تجديد الحضور السعودي على الصعيدين العربي والإسلامي والدولي إذا تم التأمل والنظر في هذه الخطوات: 

– تجاوز عقدة الحادي عشر من سبتمبر واستئناف تمكين وجود الخطاب الإسلامي المعتدل في العالم عن طريق إنشاء المراكز الإسلامية المستنيرة المنفتحة على الثقافات العالمية. 

– الإنفاق بسخاء على التواصل مع مراكز التنوير والعلم والثقافة في العالم، وقبل ذلك المحيط الإسلامي بتوثيق الصلة عن طريق عقد المؤتمرات والندوات والدعم المالي وتبادل الوفود والزيارات. 

– بث قنوات تتحدث بلغات عالمية مختلفة، واستقطاب مفكرين ومثقفين وأدباء بوسائل مختلفة للدعاية غير المباشرة للمفهومات الإسلامية والعربية وفق الرؤية السعودية المتزنة والمعتدلة. 

– انتشال العمل الدبلوماسي الخارجي والإعلام الخارجي من حالة الضعف والاسترخاء وضعف المبادرات وشح الموارد ووضع خطط جديدة لحركة دبلوماسية إعلامية قائمة على متانة فكرية وتأصيل عميق لإبانة الخطاب السعودي وتجليته بوسائل متعددة ومختلفة. 

– أما الإعلام السعودي في الداخل الذي قد يسهم أيضا في تغيير المفهومات في الخارج إذا انطلق بعمق ووعي وبكفاءات مقنعة فأمر تطويره ليصل إلى تحقيق هذه الغايات الوطنية النبيلة يبدو وكأنه ثالث العنقاء والخل الوفي! 

ليس ثمة مستحيل أن نستعيد صورتنا السعودية الزاهية قبل عقود النكبات الثلاثة بدءا بثورة الخميني المشؤومة ثم غزو العراق للكويت ثم احتلال أمريكا للعراق وتسليمه لإيران ثم مأساة 11 سبتمبر، ثم تجلي مخطط تفتيت المنطقة وفق الخطة الغربية الإيرانية الإسرائيلية. 

ليس الأمر مستحيلا في ظل كل ما مر بعد أن استوعبناه ووعينا دروسه، وليس من الحكمة أن نظل حبيسي تداعياته؛ بل علينا أن ننهض كطائر الفينيق من تحت الرماد.ومسألة أن نعلن عن أنفسنا وندافع عن مفهوماتنا للثقافة العربية وللإسلام ونحن أهله ومصدره ومصدروه؛ ليس خيارا؛ بل هو قدر لازب لا ندعه للأدعياء والمتشبثين به لتحقيق أغراضهم الشعوبية الدنيئة، وهم يذبحون الإسلام والعروبة من الوريد إلى الوريد في سوريا الآن، قدرنا أن نحمل الرسالة العربية والإسلامية العظيمة وبها إما أن نكون أو لا نكون. 

moh.alowain@gmail.com 

mALowein@ 

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. محمد عبدالله العوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*