السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قضية أزواد والعامل الإسلامي..؟!

قضية أزواد والعامل الإسلامي..؟!

ثورة الطوارق وعرب أزواد ضد نظام مالي الذي فشل مرارا في التعامل مع قضيتهم لم تكن وليدة الربيع العربي كما يظن البعض ، ففي بداية الستينات كانت أولى محاولاتهم بالمطالبة ببعض حقوقهم فقوبلوا بالرفض والقمع وتصفية الكثير من المدنيين في حين زج بقياداتهم في السجون،  ولم تكن فرنسا بمنأى عن ذلك المشهد .

يشكل الطوارق غالبية سكان الولايات الشمالية ، وينفردون بالسكنى في الصحراء الكبرى الممتدة إلى عدة دول في المنطقة .

توالت على مناطق الشمال سنون عجاف كادت أن تقضي على الثروة الحيوانية التي تعتبر مصدر الرزق الرئيسي لسكانها مع انعدام تام  لوسائل التنمية والتمدن، فكان لذلك أثره البالغ في نزوح الكثير منهم إلى دول الجوار وهجرة أعداد هائلة إلى شتى بقاع الأرض .

وفي مطلع التسعينات سنحت فرصة لبعض قادة الطوارق فطالبوا مجددا  بتحسين وضع سكان المناطق الشمالية ، وكانوا من تحقيق مكاسب اعتبارية قاب قوسين أو أدنى ، غير أن بعض القوى الإقليمية والدولية تدخلت بعقد اتفاقية بين الطرفين حصل بموجبه بعض أولئك القادة على قدر من الامتيازات المحدودة للغاية ، وأسدل الستار على القضية ولم تراوح مكانها حلا وإشكالا.

في أثناء ذلك تكبد الجيش النظامي خسائر فادحة ، فعوض بإبادات جماعية في صفوف المدنين العرب والطوارق راح ضحيتها أحياء بأكملها ، في ظل تعتيم إعلامي لم يسبق له مثيل ، وغياب كامل لأي دور عربي أو إسلامي أو إنساني ، ولم يكن للبعد الديني في كل ذلك أي دور يذكر ، إلا ما يقعد ببعض الأفراد عن مجابهة الجيش النظامي من رقابة ذاتية لا تستسيغ الخروج عنه .

وفي وقتنا الحاضر انطلق الربيع العربي فثار الناس ضد الأنظمة المستبدة مطالبين بالكرامة والعدالة والتنمية ، وتطلعت شعوب إلى استنشاق نسيم الحرية ، وعاود أنين حب الوطن من ببلاد الغربة فحدا بهم الشوق إلى مرابعهم ، وديار صباهم .

استغلت الحركة الوطنية لتحرير أزواد كل هذه الظروف وغيرها فقامت بثورة ضد النظام في باماكو سرعان ما تحولت إلى مواجهات عسكرية ، انسحب الجيش النظامي بعدها من مناطق الشمال انسحابا كاملا تزامن مع انقلاب عسكري أطاح برئيس الدولة ، وبذلك سجلت الحركة انتصارا تاريخيا لم تخرج من نشوته إلا بإعلان قيام دولة أزواد في 6 أبريل 2012وفيما كانت تترقب ردود الفعل الدولية لترتيب أوراقها، دخلت على الخط الجماعات الإسلامية الجهادية ، وفي غضون أيام بسطت الأخيرة سيطرتها على الجزء الأكبر من مناطق الشمال ، فدخلت الثورة الأزوادية منعطفا جديدا رأت فرنسا فيه مبررا لتدخلها العسكري في مالي لطرد تلك الجماعات.

في هذا المنعطف شكلت جماعة أنصار الدين الواجهة الأزوادية التي تعمل برؤية القاعدة بفرضها وتطبيقاتها على سكان المناطق التي سيطرت عليها وقوي فيها نفوذها ، فألزموا الناس بما يخالف قناعاتهم بل ومجالات عملهم ، ولعلي هنا أكتفي برواية ما نقله الدكتور عبد المنعم سعيد الكاتب في جريدة الشرق الأوسط (حكت صحيفة «نيويورك تايمز» القصة كلها عندما جمعت جماعات «القاعدة»، أو المنتسبة إلى تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي»، الذين جاءوا فوق عربات مسلحة بالمدافع، أهل المدينة لكي يضعوا لهم دستورهم «الإسلامي» الجديد. كان الأمر مدهشا في مدينة لم يكن الإسلام أبدا غريبا فيها، وبدا الموضوع كأن هناك من يريد بيع الماء ساعة انهمار المطر. ولم يفهم الناس كيف يمكن توزيع التعليمات الإسلامية تحت تهديد السلاح، والترويع بتطبيق حدود لمن هم ليسوا بصالحين لا للفتوى ولا للأمر في أمور الدين. 

ومن غرائب ما قيل أن جماعة «القاعدة» عقدت اتفاقا مع مستشفى المدينة أن يقوم بعلاج مرضاهم وجرحاهم ويقدموا لهم كل ما يطلبون من نصائح طبية؛ وكل ذلك مقابل أن يسمح لهم بالرعاية الصحية لأهل تمبكتو. 

ولم يمض وقت طويل حتى كان الأطباء في المستشفى يستدعون لمباشرة عمليات قطع الأيدي لمتهمين عشوائيا بالسرقة، والرجم للمتهمين بالزنى في مدينة عرفت التقاليد الإسلامية في العفة طوال تاريخها. 

كان الأمر كله عبثيا، فالأطباء كما تعلموا وظيفتهم توصيل الأوصال المقطوعة وليس التأكد من فصلها. كانت هذه قصة الصحيفة الأميركية عما جرى في تمبكتو ).

ولم تكن حالة الأطباء استثناء عن بقية شرائح المجتمع كل في مجال عمله وتخصصه البسيط ، من هنا ندرك ضرورة أن تعقب سكان المنطقة بقوائمهم الموروثة عن أنصار الدين والقاعدة ممن هذا شأنهم لتصفيتهم أو حبسهم للمحاسبة بدلا من مصالحة وعفو شاملين ، سيؤجج المنطقة ويشعل فيها فتيل حرب ليس من الهين إخمادها ، كما يفتح بابا لمزيد من الانتهاكات والتصفيات العرقية ، والمآسي الإنسانية .

إذا أرادت فرنسا أن تنجح في مهمتها باعتبارها اللاعب الأقوى فلا سبيل لها أضمن من إيقاف مسلسل الدم المسفوك والاعتقال التعسفي، والبدء في حوار جاد بين أطراف النزاع والسعي بجدية وحيادية في حل نهائي للقضية الأزوادية.

—————-

•كاتب أزوادي.

——————

نقلاً عن الحدث الأزودي

-- عبد الرحمن مصطفى الأنصاري *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*