الأحد , 4 ديسمبر 2016

إيران تقتل أتباعها

لا يتحمل الولي الفقيه جريرة سفك دماء خصومه في البحرين واليمن وسوريا ولبنان والعراق فقط، ولكنه أيضا، وقبل كل شيء، يتحمل جريرة قتل أتباعه ومريديه الذين يأمرهم بأن يرموا أنفسهم في التهلكة، وبالانتحار.

صرنا عندما نتلقى خبرا عن تظاهرة أو هجوم مسلح أو اغتيال أو تهريب مال أو سلاح أو ذخيرة ويتأكد لنا أن إيران وراءها نترحم على القائمين بها، حتى قبل أن يقتلوا أو ُيلقى القبض عليهم ويصبحوا في يد العدالة، وذلك لأننا صرنا متيقنين من أن لعنة إيران سوف تصيبهم لا محالة، وتعجل لهم بالنهاية عما قريب.

مردُ هذه النادرة إلى كون إيران، بسياساتها العدوانية الاستفزازية المشاكسة العدوانية التسلطية التي تمارسها ضد ثلاثة أرباع دول العالم، مكروهة، وبالتالي، وبالضرورة أيضا، يصبح من يأتمر بأمرها وينخرط في طوابيرها مكروها معها، وممجوجا مثلها، وهدفا سهلا لأعدائها وخصومها الكثيرين.

ولنأخذ مثلا جماعات المعارضة البحرينية ومعاناتها ومأزقها واستمرار خساراتها التي لا تنتهي. فبالرغم من أنها على حق في عدد كبير من مطالبها، إلا أن تبنيها من قبل إيران، وحماسة حزب الله والأحزاب الدينية الحاكمة في العراق في دعمها وتأييدها أفرغها من مضمونها الإنساني ومن طبيعتها الوطنية البحرينية الخالصة، وجعل منها تحرشات إيرانية سياسية توسعية، وحركة طائفية ضيقة، وأدخل المعارضين البحارنة في خانة الطوابير الخامسة التي تحركها إيران، هنا وهناك، عند الحاجة وحسب الظروف.

بعبارة أخرى، لقد ألب النظام الإيراني على المعارضين البحارنة جميع خصوم إيران وأعدائها. وبدخول السعودية إلى البحرين بجيشها، بموجب اتفاقيات مجلس التعاون الخليجي، أصبحت معارضة البحرين كناطح صخرة يوماً ليوهنها * فلم يُضرْها وأوهى قرنَه الوعلُ.

فلا حكومة البحرين ستسقطها القناني الحارقة، ولا المعارضة سوف تخالف إيران فتجنح إلى السلم والتفاهم والحوار. بل سيبقى الولي الفقيه يزج باليافعين والنساء والشيوخ من شيعة البحرين في معارك خاسرة، فيفسدون حياتهم، وقد يخسرونها، ويشغلون حكومتهم وشعبهم بما لا يجدي ولا ينتهي.

والحال نفسه في اليمن. فلو لم تكن إيران وراء الحوثيين، بالسلاح والمال والخبراء والمدربين، لكانوا الآن حزبا سياسيا وطنيا مسالما يسعى لتحقيق أهدافه ومَطالبه بالحوار والتفاهم، وليس بالقتل والحرق وخراب البيوت.

وبهذه الصيغة لا يتحمل الولي الفقيه جريرة سفك دماء خصومه في البحرين واليمن وسوريا ولبنان والعراق فقط، ولكنه أيضا، وقبل كل شيء، يتحمل جريرة قتل أتباعه ومريديه الذين يأمرهم بأن يرموا أنفسهم في التهلكة، وبالانتحار.

وما يجري في سوريا من عامين مثالٌ صارخ على ذلك. فلو كانت سوريا بدون إيران، وبدون حزب الله، وبدون ضباط الحرس الثوري ومقاتليه، وبدون نوري المالكي، فإن المؤكد أن بشار كان سيصبح غير ما نعرفه اليوم، وأن الشعب السوري سيكون أهنأ وأسعد وأكثر أمنا وسلامة.

لكن، وكما يقال، رب ضارة نافعة. فكل قوة تمنحها إيران لبشار هي أيضا نقطة ضعفه ومقتله الذي لا ريب فيه. فلولا إيران لكانت مهمة المعارضة السورية في تأليب العالم عليه أصعب بكثير. بل لكان الراغبون المُصرون على رحيله أقل عددا وعدة مما هم عليه اليوم.

وأغلب الظن أن الإنسانية والشهامة وحقوق الإنسان والدين والعروبة والطائفة ليست وحدها العامل الحقيقي في إشعال حماس دول الخليج لدعم المعارضين السورييين، وحشد كل علاقاتها الحميمة بدول العالم الفاعلة، وخاصة حليفتها الكبرى أميركا، من أجل تسليحهم وتغيير موازين القوى على الأرض، وتسريع رحيل النظام. بل الدافعُ الأقوى من كل ذلك هو أن الثورة السورية قدمت فرصة ذهبية لأغراق إيران في الوحل السوري، وإشغالها وتشتيت جهودها، واستنزاف مواردها، وكشف خلاياها، وكسر ظهر حزب الله، ومحاصرة حزب الدعوة في العراق.

ومن هنا يتبين حجم المأزق الخانق الذي وضع بشار نفسه ونظامه فيه. فهو لم يقرأ الواقع بحنكة وحكمة ليصل إلى خلاصة مفادها أن علاقته بإيران محرضٌ قوي للكثير من القوى الإقليمية والدولية على العمل من أجل إسقاطه، ليس رغبة في إقامة ديمقراطية سورية، أو لحقن دماء السوريين، كما يزعمون، بل لتصفية حساب طويل مع إيران، ناهيك عن تصفية حسابات أخرى متراكمة معه من سنين.

والمعروف للجميع، والمتوقع أيضا، أن أي نظام جديد في سوريا الجديدة لابد أن يتحالف مع القوى اللبنانية الليبرالية المكتوية بنار حسن نصر الله وإيران. وهذا يعني قطع خطوط الإمداد المالية والعسكرية والسياسية عنه، وحصاره وإعادته إلى حجمه الطبيعي، حزبا لبنانيا كغيره من الأحزاب، إن لم يَحدث انقلاب داخلي فيه يغير نهجه وخطابه وينهي تبعيته لإيران.

كما أن سقوط بشار يعني، أيضا، تحالفا واسعا وشاملا بين خصوم نوري المالكي من السوريين والعراقيين والخليجيين والأردنيين والترك، للتعجيل بخروجه من السلطة، وإحالته إلى القضاء بتهم الفساد وسوء استغلال النفوذ والقتل على الهوية والاعتقال الكيفي ومحاباة إيران على حساب مصالح الدولة العراقية وهيبتها وكرامتها وثرواتها وأمنها واستقرارها. وبعد هذا كله ستجلس المعارضة البحرينية مع الحكومة وتبدأ مسيرة التفاهم والتراضي العادلة، ويُلقي الحوثيون أسلحتهم ويسلمون المطلوبين منهم للعدالة، وتنتهي المجزرة على خير.

ومن يدري، فقد يصعب على الشعب الإيراني تحمل كارثة سقوط بشار وضياع الأموال والأسلحة والدماء الإيرانية هباء في هباء، فينتفض، هو أيضا، وتبدأ رحلة الأف ميل الديمقراطية في إيران ذاتها. يومها لن نجد في الدنيا بأسرها عاقلا واحدا يعترض على معاقبة القاتل وإنصاف القتيل.

——————

نقلاً عن ميدل إيست 

-- إبراهيم الزبيدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*