الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المملكة وإصلاح مجلس الأمن.. الموقف من القضايا الخلافية

المملكة وإصلاح مجلس الأمن.. الموقف من القضايا الخلافية

المملكة وإن كانت بشكل تلقائي تؤيد فكرة حصول الدول الإسلامية على مقعد تمثيل دائم لها في مجلس الأمن، إلا أنها لم تعبر عن تأييدها لتوجه أو أطروحة معينة، أو تنضم لواحد من التجمعات التي تشكلت على خلفية إصلاح المجلس

خارطة الطريق لإصلاح مجلس الأمن، التي قدمتها المملكة في اجتماع روما بداية شهر فبراير الماضي، مؤشر على بروز توجه جديد وجاد للمملكة، نحو أن يكون لها دور أكثر فاعلية على صعيد هذا الملف، إذ إن المملكة فضلت مبدأ “الحياد الإيجابي” خلال العقدين الماضيين، اللذين شهدا انطلاق عملية إصلاح مجلس الأمن الحالية، وأبرز مظاهر هذا الحياد الإيجابي، هو عدم الإعلان عن موقف محدد بخصوص الرؤى المختلفة المطروحة لإصلاح المجلس، أو الدخول في أحد التجمعات “blocs” التي تشكلت حول هذه المسألة. 

لكن أي دور راهن أو مستقبلي للمملكة ـ فيما يخص مسألة إصلاح مجلس الأمن ـ سيكون مرهونا بأمرين: أولا، طرح رؤية واضحة لسبل دفع المفاوضات العالقة حول إصلاح مجلس الأمن، وثانيا: تحديد موقف محدد من القضايا الخلافية يكون الانطلاق في هذا الدور. ولعل توصية مندوب أفغانستان في الأمم المتحدة، الذي يترأس جلسات المفاوضات الحكومية “intergovernmental negotiations” حول إصلاح المجلس، والتي قدم فيها فكرة وضع ورقة عمل يتم التفاوض عليها، تكون نقطة انطلاق جيدة يمكن للمملكة دعمها والبناء عليها كدور فيما يخص المفاوضات التي لم تتقدم خطوة خلال العام الماضي.

من جهة أخرى، سيكون على المملكة استحقاق تحديد موقفها بخصوص القضايا الخلافية والرؤى المتعددة المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن، فالمملكة رغم كونها عضوا مؤسسا للأمم المتحدة، إلا أنها ـ ومنذ تأسيس الأمم المتحدة ـ لم تدخل مجلس الأمن على الإطلاق وسيكون عام ٢٠١٤ هو المرة الأولى التي تصبح فيه المملكة أحد أعضاء مجلس الأمن لمدة عامين. وهذا أمر سيحتم عليها بالتالي أن تتجاوز مبدأ “الحياد الإيجابي” باتجاه اتخاذ موقف محدد من قضية إصلاح المجلس.

تاريخيا، بدأت أول عملية إصلاح لمجلس الأمن في ١٩٦٥ من خلال إضافة ٤ مقاعد للدول غير دائمة العضوية، ليرتفع مجموع العضوية في المجلس إلى ١٥ دولة “٥ دول دائمة العضوية و١٠ دول غير دائمة العضوية تتغير كل سنتين”، وكان الضغط الرئيس خلف هذا الأمر زيادة عدد الدول التي حصلت على استقلالها في تلك المدة، وبالتالي زيادة عدد أعضاء الأمم المتحدة. 

كما أن عملية الإصلاح تلك شهدت أيضا تغييرا في هيكلة التمثيل الجغرافي للأقاليم في المجلس. فحتى عام ١٩٦٥ كانت المقاعد الستة غير دائمة العضوية في مجلس الأمن مقسمة كالتالي: “مقعدان لأميركا اللاتينية، مقعد لدول شرق أوروبا وآسيا، مقعد لدول الكومونولث، مقعد لدول غرب أوروبا، ومقعد لدول الشرق الأوسط وهو المقعد العربي”، ومع التغيير الهيكلي في ١٩٦٥ تم إعادة رسم الأقاليم؛ كي تصبح كالتالي “٣ مقاعد لدول المجموعة الأفريقية، مقعدان لمجموعة آسيا والمحيط الهادي، مقعدان لمجموعة أميركا اللاتينية وجزر الكاريبي، مقعدان لغرب أوروبا، مقعد لشرق أوروبا” وظل هناك مقعد محجوز للعرب، ولكن مقسما بين كل من المجموعة الأفريقية والآسيوية، إذ يتبادل حلول دولة عربية عليه، مرة من هذه المجموعة ومرة من الأخرى بالتناوب.

مع عام ١٩٩٢ بدأ إعادة تفعيل عملية إصلاح مجلس الأمن، بعد عقود من النقاش وكانت الخطوة الفعلية إنشاء الفريق مفتوح العضوية الخاص بإصلاح المجلس، والذي تحول عام ٢٠٠٨ لصيغة المفاوضات الحكومية غير الرسمية وتبلورت خلال هذا الوقت الصيغ المتعددة لإصلاح المجلس، وكذلك التجمعات الدولية المختلفة حوله. 

أحد أسباب انطلاق المرحلة الثانية من إصلاح المجلس عام ١٩٩٢، كان دخول المجلس في أزمة لخصها بشكل جيد الباحث الألماني مارك ساكسر “Marc Saxe” في ورقة عام 2009 بعنوان عودة الحوكمة العالمية: طرق الخروج من أزمة نظام متعدد الأقطاب” The Comeback of Global Governance: Ways Out of the Crisis of Multilateral Structure، أشار فيها إلى أن النظام العالمي يعاني من أزمتين:

أولا: أزمة تمثيل “Crisis of Representati” ففي عام ١٩٩٢ مثلا كانت كل من ألمانيا واليابان أكبر اقتصادين بعد أميركا، وأكبر ممولين للأمم المتحدة بعدها، ومع ذلك لم يتمتع كلاهما بعضوية دائمة في مجلس الأمن. 

علاقات القوة مع الألفية الجديدة تختلف تماما عن علاقات القوة إبان تأسيس الأمم المتحدة عام ١٩٤٥، وبالتالي أصبح مجلس الأمن غير معبر عن واقع العالم الجديد. 

ثانيا: أزمة فاعلية “Crisis of Effectiveness”، إذ لم يعد بمقدور النظام العالمي أن يكون فاعلا في ظل صيغته الحالية، وهو ما يستوجب تغييرا هيكليا لمجلس الأمن؛ كي يضطلع بدوره بشكل فعال.

لذلك ظهرت مع عام ١٩٩٢ “مجموعة الأربعة” “G4″، التي تضم: ألمانيا واليابان والهند والبرازيل، مطالبة بحصول كل دولة فيها على مقعد دائم في المجلس، وبرزت في المقابل مجموعة “الاتحاد من أجل الإجماع” “Uniting for Consensus”، التي ضمت دولا إقليمية منافسة لمجموعة الأربعة “باكستان، كوريا الجنوبية، الأرجنتين، المكسيك، إسبانيا، إيطاليا” مطالبة بأن تكون أي خطوة لإصلاح المجلس قائمة على الإجماع، كما برزت “المجموعة الأفريقية” مطالبة بأن يكون لأفريقيا مقعد دائم، ثم ظهرت المطالبة بأن يكون للدول الإسلامية ـ التي تمثل ١،٢ مليار شخص ـ مقعد دائم أيضا، وكذلك ظهرت مجموعات أخرى من دول أصغر، لعبت دورا كوسيط أو مقرب لوجهات النظر.

على مدى العشرين عاما الماضية تنوع النقاش وتشعب حول إصلاح المجلس، خاصة بين التجمعات الواردة أعلاه، إضافة للأعضاء الخمسة الدائمين، الذين لهم كلمة مهمة في المسألة. 

وتمحور النقاش حول ٥ مسائل تتعلق بإصلاح المجلس: حق النقض “الفيتو” ـ فئات العضوية سواء دائمة أو شبه دائمة أو غير دائمة ـ حجم التوسع العددي المقترح لأعضاء المجلس ـ حجم التمثيل الجغرافي للأقاليم ـ أساليب العمل “working methods” الخاصة بالمجلس. 

وداخل كل نقطة من هذه النقاط تنوعت الأطروحات والأفكار بشكل كبير ومتباين جدا، تلخصت ورقة المراجعة الثالثة “rev 3” الصادرة عن المفاوضات الحكومية غير الرسمية القائمة.

المملكة وإن كانت بشكل تلقائي تؤيد فكرة حصول الدول الإسلامية على مقعد تمثيل دائم لها في مجلس الأمن، إلا أنها خلال كل هذه المدة من المفاوضات والنقاشات، لم تعبر بشكل محدد عن تأييدها لتوجه أو أطروحة معينة، أو تنضم لواحد من التجمعات التي تشكلت على خلفية إصلاح المجلس. وهو الأمر الذي يستدعي اليوم إعادة نظر، وأن يكون للمملكة موقف من هذه القضايا الخلافية، ينبع من تغليبها لمصلحتها وكذلك مصلحة العالم العربي بشكل أوسع، وأن تسعى بكل قدرتها للدفع باتجاه موقفها، فأي تطور قادم في المفاوضات حول إصلاح المجلس، سيشهد مفاوضات شرسة لن يكون فيها على الأغلب مكان لحلول إجماعية، بقدر ما سيكون فيها ضغط وتنازلات من الجميع. وهذا يستدعي أهمية النقاش حول مصلحتنا، فيما تم طرحه بخصوص المسائل الخمس المشار إليها أعلاه “للحديث بقية”.

—————-

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- سعود كابلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*