الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الجبهة الداخلية.. البناء الخلاّق

الجبهة الداخلية.. البناء الخلاّق

تعزيز وصيانة الجبهة الداخلية لبلادنا.. هذا الأمر الآن يجب أن يكون في رأس أولوياتنا جميعاً، فالأخطار المحيطة بنا تقدم الشواهد والقرائن اليومية على أننا مستهدفون في أمننا واستقرارنا ومستقبل وحدة بلادنا.. فالصراع في المنطقة دخل مرحلة مأساوية لا ندري الى أي مدى تسير، والقوى العظمى سباقها على أشده لترتيب مصالحها للعقود القادمة، خصوصاً أننا في منطقة تتركز فيها الثروات الطبيعية وتتوافر لها مقومات الجغرافيا السياسية التي تضعها في قلب العالم، والأزمة الاقتصادية في أمريكا تكشف كل يوم عن مخاطر رئيسة متوقعة للاقتصاد العالمي.. إننا في عالم تتراكم مشاكله.

منطقتنا الآن تشهد أحد الفصول المهمة لمشروع الفوضى الخلاقة، وسواء كان هذا مشروعا سياسيا حقيقيا، أو أن ظروف المنطقة وتراكمات المشاكل وعدم وجود عملية حقيقية للتنمية السياسية للشعوب والدول، قد هيأت الظروف المناسبة له، المهم أننا إزاء مشروع قائم وأبرز أهدافه هو التفكيك للكيانات السياسية القائمة وإعادة ترتيبها، وهذا السيناريو هو الذي يجعل تعزيز الجبهة الداخلية ضرورة وطنية، وهذه الضرورة نتمنى أن يتم تحويلها إلى (برنامج وطني) متكامل يخطط له بعناية، حيث ينظر في مكونات الأمن الوطني ولعله يكون الأول في قائمة أولويات مؤسسات الدولة والمجتمع.

هذا البرنامج يُفترض أن يضع قائمة للقضايا المعيشية الملحة التي تشكل مصدراً للتوتر الاجتماعي، ثم ينظر إلى المهددات الخارجية للأمن الوطني، ثم ينظر إلى الأدوات التي تستخدم لتأزيم الأوضاع الداخلية عبر تصعيد المشاكل الاجرائية الفنية والإدارية اليومية التي لا يمكن تحاشيها في أداء الأجهزة، ومدى خطورة هذا التأزيم في التأثير في هيبة الدولة وهيبة الأنظمة!

وضرورات تماسك الجبهة الداخلية لا تعني تجاهل المشاكل القائمة وإنكارها والتستر عليها، بل تعني في الهدف الوطني البعيد النظر إلى مشاكلنا القائمة ثم نبحث في حلولها بطريقة جماعية، وبآلية لا تطالب بـ (العصا السحرية)، فهناك مشاكل لا يمكن تجاوز عقبة الزمن أو عتبة الموارد البشرية لحلها.. وثمة مشاكل بيدنا كل المتغيرات لحلها، ولكن عندما يكون الضجيج عاليا لا أحد يستطيع أن يفكر بهدوء!

الوضع الإعلامي والمعزز الآن بشبكات التواصل الاجتماعي لا يسر.. بل مخيف! فنحن بدأنا ننزع إلى سلوك ربما يُوصف بأنه (غير حضاري) في تعاملنا مع مشاكلنا، فمنا الآن من هو قابل (لأن يسخط على كل شيء).. حتى على إشارة المرور الحمراء، وربما ظاهرة التجاوز هذه للإشارات الحمراء مؤشر على حالة نفسية تنمو في مجتمعنا تعني أن تجاوز الزمن بات ضروريا عندما يخدم مصلحة خاصة، حتى لو كانت المخاطر عالية جداً لهذا التجاوز .. والمأزوم المتوتر يصاب بحالة العمى اللا إرادي التي تجعله لا يرى الأشياء على حقيقتها.

العقلاء يخشون أن حالة التأزيم قد تؤدي إلى بروز فريقين، فريق يدافع والآخر يهاجم والأغلبية الصامتة حينئذ هي ضحية التوتير والتأزيم وهذا أكبر مهدد لاستقرار الجبهة الداخلية!

وفي إطار مشروع التأزيم المستمر انتقل المراهقون الإعلاميون الجدد (نجوم صناعة الاستهلاك الإعلامي) إلى طور جديد لتأزيم العلاقة بين الناس والمسؤولين في الدولة، فبعد الدعوات إلى الاستقالات والإطاحة بالمسؤولين، الآن الحديث عن (اختفاء المسؤول)، وهذه الدعوات تخلق أجواء نفسية إيحائية عن المشاريع المخفية التي تدار تحت ستار الظلام.. وهذا مسار جديد لنزع (المصداقية) عن الدولة ومؤسساتها، كما كان الحال مع (هيبة النظام) .. أي هيبة مؤسسات الدولة.

هل المطلوب من جميع المسؤولين في الدولة أن يتحولوا إلى الكلام بدل الفعل؟

مثل هذه الدعوات تنطلق من الذهنيات التي تعرف أن الخيال الاجتماعي ما زال يتسع للتفاعل مع (صورة البطل)، وكأن المسؤول يجب أن يمتلك جوامع العمل والقول.. إنها ثقافة الإنجاز بالكلام.. (افتح فمك يرزقك الله).. هؤلاء ربما لم يدركوا أننا في عصر ومرحلة لا يمكن لأي مسؤول أن ينجز دون توافر الأسباب والموارد البشرية والمادية، ودون الفريق الذي يؤازر ويعاضد.. متغيرات البيئة المعاصرة معقدة ومتسارعة، وما خلق الله لامرئ من قلبين!

الجبهة الداخلية مسؤوليتنا جميعاً.. والتفكير المجرد من الهوى وحسن الظن والتفكير الإيجابي أدوات مهمة لنا جميعاً لاستيعاب الظروف والمشاكل التي تواجهنا وتشكل تهديداً لوحدتنا واستقرارنا.

إذا كان في المنطقة الآن مشروع للفوضى الخلاقة.. لماذا لا يكون لدينا مشروع (البناء الخلاق)؟

———-

نقلاً عن الاقتصادية

-- عبد الوهاب الفايز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*