السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قاعدة الكيبورد.. السعودية والتطرف مفترق طرق!

قاعدة الكيبورد.. السعودية والتطرف مفترق طرق!

هناك مفارقة ثابتة منذ بدايات تأسيس المملكة العربية السعودية، بحكم موقعها الجغرافي وتبنيها نظام حكم قائما على الشريعة الإسلامية، وهي أن كل المنعطفات التاريخية التي مرّت بها المملكة كانت تتقاطع مع «العنف» أو التشدد الديني أو الإرهاب.

بدأت القصة مبكرا، منذ اللحظة الحاسمة التي اصطدم فيها الملك المؤسس مع «إخوان من طاع الله»، ثم ما تلا ذلك لاحقا من مواجهات ناعمة في تذييل عقبات الوقوف تجاه التنمية من قبل التشدد الديني أيضا، وصولا إلى لحظة «جهيمان»، وهي مرحلة فاصلة انتقل فيها التشدد الديني من المعارضة إلى استهداف بنية الدولة، ولاحقا لحظة حرب الخليج الفاصلة، التي كانت السعودية فيها على مفترق طرق، إلى أن جاء القرار الحكيم من العاهل السعودي آنذاك الملك فهد بن عبد العزيز (رحمه الله)، الذي جنب به المنطقة كارثة كانت محدقة.

في الطور الثاني من الطريق الطويل مع التطرف، جاءت موجة «القاعدة» لتدشن عصرا جديدا من المواجهات، منذ تفجيرات الرياض 1994، التي كانت (بلا شك) انعطافة خطرة في المعركة مع الإرهاب، حيث حضر هذه المرة، اسما ومعنى وحقيقة، وكان من المهم حينها أن تخرج الدولة من التعامل مع الأزمات، عبر ردات الفعل، إلى استراتيجية مبنية على قراءة دقيقة للحالة.

هذه المواجهة الدامية أسفرت عن ولادة منتج سعودي خاص وفريد في التعامل مع الإرهاب كان محل استغراب في بداية تدشينه وإعلانه، فلم يكن أحد ليتصور أن استراتيجية «القوة الناعمة» التي دشنها الأمير محمد بن نايف، عبر رفع شعار المواجهة الفكرية القائمة على مبدأ المناصحة والإقناع للمتطرفين والمغرر بهم ستؤتي أكلها، كما أنه، وفي الوقت ذاته، تتيح بقاء خيارات الحلول الأمنية متى ما تعذر الوصول إلى حلول لجان المناصحة التي على الرغم من حداثة التجربة والنقص والأخطاء التي ترافق أي مشروع من هذا النوع تحولت إلى أنموذج فريد تتسابق مراكز الأبحاث لدراسته عن كثب.

وفي التفاصيل، يمكن القول إن ثمة المئات ممن دخلوا مراكز المناصحة خرجوا إلى الحياة العادية بعد أن ولدوا من جديد، ومُنحوا فرصة استئناف حياة مختلفة بعد أن عانوا من التطرف طويلا، وربما لو كان قدرهم الوقوع رهن الاعتقال في مكان آخر من مناطق التوتر، أو حتى غوانتانامو، لكان مصيرهم أسوأ بكثير.

الأرقام التي لا تكذب عادة تقول، وهي منشورة ومتاحة؛ ليست سرا ولا تحتاج إلى تنقيب أو بحث مضنٍ، إن أقل من 4 في المائة من إجمالي الذين دخلوا برامج المناصحة، وهم بالمئات، عادوا إلى تجربة التطرف مجددا، وهناك من مُنح الفرصة أكثر من مرة، كما أن حجم الإنفاق على المستفيدين من برامج الوزارة أكثر من 49 مليون ريال للمعتقلين، المطلق سراحهم 77 مليون ريال، العائدين من غوانتانامو 10 ملايين ريال، الفئة الضالة 35 مليون ريال، رواتب خاصة للمستفيدين 222 مليون ريال، وهو ما آمن به الوزير محمد بن نايف كجزء من الاستثمار في الإنسان السعودي، وعدم النظرة لمن وقع في براثن التطرف بمعيار واحد.

وتحدثنا الأرقام أيضا أن حجم الضرر الذي طالنا من الإرهاب كبير جدا وفادح، وهو أمر مهم أن نتذكره دائما كلما ارتخت الذاكرة التي يحاول البعض أن يمحوها بفعل تقادم السنوات. الخسائر البشرية كانت 257 حادثة قتل، وإجمالي الخسائر المادية في الممتلكات الخاصة والعامة بسبب الأعمال الإرهابية في السعودية بلغ أكثر من 600 مليون ريال سعودي، لا سيما تلك المشاريع التي حاولت أن تضرب بنية الاقتصاد السعودي، كما في حادثة ينبع والحوادث التي تم إحباطها في أغلب مناطق المملكة، خاصة الحدودية منها.

واليوم، الأحداث المؤسفة تم استغلالها من 3 أنواع من الفكر «القاعدي»، بداية بـ«القاعدة» الأصلية، التي تحدث إبراهيم الربيش، أحد رموزها، من اليمن قائلا إن أحد أهم أهدافهم هو تحريك قضية المعتقلين بهدف استرجاعهم، واستئناف العمل الإرهابي المسلح انطلاقا من الأراضي اليمنية، وهو أمر، لا قدر الله، مرشح لأن يكون بداية لعهد جديد من انبعاث «القاعدة» في المنطقة، لا سيما أن كل البوادر تؤكد على أن المناطق الخصبة لنمو بذور الجيل القاعدي الجديد مكتملة؛ سواء في شمال أفريقيا أو في اليمن جنوبا، أو حتى في سوريا، في حال بقاء الأزمة على حالها، كما أن إخفاق الربيع العربي المتوقع سيلقي بظلاله على صعود «القاعدة» كبديل يحسن استغلال رداءة الأوضاع على الأرض.

ما حدث في الأيام الفائتة من أحداث مؤسفة في بريدة، وهي جزء من مسلسل طويل لاستغلال قضايا الموقوفين على ذمة قضايا إرهابية تلعب فيه أطراف كثيرة أدوارا مشبوهة وغير صادقة، فإن جزءا من الإشكالية تم بسبب سوء تقدير في التوقيت والفعل، واستغلال ما يمكن تسميتهم بـ«قاعدة التبرير»، وهم أولئك الذين لا ينتمون لتنظيم القاعدة، لكنهم يدافعون عن أفكارها باعتبارها البديل الأمثل للتغيير من وجهة نظرهم، بسبب خيبة أملهم من أي تغيير حقيقي خارج أقواس «العنف».

واليوم، يستمر مسلسل الاستغلال لملف المعتقلين في السعودية عبر تيار جديد يتخذ أشكالا مختلفة، ويحاول أن يندس في فضاء الإنترنت عبر أسماء وهمية ومعرفات متعددة، هؤلاء هم «قاعدة الكيبورد»، التيار الفوضوي الذي ينطلق من منصات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، و«تويتر» تحديدا، ليحاول استغلال أي حدث، أو مواجهة، ويمنحه الشرعية ويباركه كأحد تكنيكاته في «تثوير» الحالة السعودية.

«قاعدة الكيبورد» تنطوي على مفارقة عجيبة، حيث تضخِّم الملفات السعودية مع أن أحدا لم يدّعِ الكمال فيها، بينما تخرس عن قول أي شيء فيما يخص الانتهاكات والخروق التي خلفها «الربيع العربي»، أو وقعت فيها بعض الدول التي يراها هؤلاء نموذجا فريدا ومدينة فاضلة، تلك المدينة التي غصّت بشاعر شعبي فقررت سجنه لمدة تفوق العقد ونصف العقد!

في المعركة مع الإرهاب والتطرف لا يمكن تصور الكمال؛ هناك أخطاء وهناك نقص وهناك كثير من العمل والتحديات التي استشرفها خادم الحرمين الشريفين مبكرا منذ بداية المعركة، ووصفها بأنها طويلة ومستمرة، وإذا كانت هناك إشكالية في توصيف بعض الحالات، مثل القضايا المتعلقة بالمغرر بهم وصغار السن الذين يريدون الانتقال لمناطق التوتر أو السفر للقتال، فإنه يجب التأكيد على وجود عناصر لم تستجب أبدا لبرامج المناصحة، كما أن مجموعات أخرى تورطت في الدم وقضايا جنائية وتم الحكم عليها، وهناك فئة أخرى لم تستجب لبرامج المناصحة وأصرت على تبني أفكار «القاعدة» والدفاع عنها.

والحق يقال إن العالم بأسره، والمجتمع الدولي، لا زال يعاني من إشكالية كبرى تتصل بمرض الإرهاب الذي يشبه السرطان، من حيث فرص التشخيص والعلاج والتعامل الأمثل، هناك كثير من الحلقات المفقودة تبدأ من تعريف الإرهاب وحتى صياغة لائحة قانونية تفصيلية له، إضافة إلى ترسيخ ما يشبه الاتفاقية الدولية لمكافحته والتعامل معه، وربما كان إسهام المملكة في هذا المجال كبيرا جدا، نظرا للخبرة الطويلة التي اكتسبتها وزارة الداخلية في التعامل مع هذا المرض العضال.

وربما كان من المهم جدا في الاستراتيجية الأمنية الكبيرة التي تتحملها الوزارة أن تشارك باقي القطاعات البحثية والمعلوماتية والإعلامية لتقوم بدورها، فرغم كل الجهود المضنية التي تبذلها الوزارة، هي بحاجة إلى مزيد من الانفتاح الإعلامي، وهو «السلاح الناعم» القادر على هزيمة «قاعدة الكيبورد»، بعد أن فشلت قاعدة التفجير والتبرير.

ذات مرة قال أيمن الظواهري إن نصف معركتنا مع الأعداء في الإعلام والإنترنت.. في السعودية يبدو أن هذة المعركة كلها.

y.aldayni@asharqalawsat.com

—————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- يوسف الديني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*