السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تونس : هل تحييد الوزارات السيادية يُرضى المعارضة ؟

تونس : هل تحييد الوزارات السيادية يُرضى المعارضة ؟

“الحركة ستتخلى عن كل الوزارات السيادية في الحكومة”، هكذا صرح راشد الغنوشى رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية في إطار الحديث عن تشكيل الحكومة الجديدة، ووصف البعض هذا التصريح بأنه خطوة ستخفف من سيطرة الإسلاميين على الحكم وتحقق مطالب المعارضة التونسية أيضاً.

وبالرغم من إعلانها موافقتها على تخليها عن الوزارات السيادية، ولكن البعض يعتقد بأنها مراوغة سياسية لن ترضى المعارضة التونسية.

وفي ضوء ذلك؛ تثار التساؤلات حول هل توافق المعارضة على هذا القرار، أم ستستمر حالة الرفض التى باتت السمة الغالبة لعنوان المراحل الانتقالية في البلاد الثورية؟

خلفية القرار

لم يكن القرار مفاجئاً بل كانت له مقدمات واضحة للجميع، فكان اغتيال المعارض الليبرالى شكري بلعيد بالرصاص أمام منزله، أحد الأسباب التى أدت إلى استقالة حمادي الجبالي رئيس الوزراء من منصبه بعد أن فشل في تكوين حكومة غير حزبية، وجاء اختيار النهضة لعلي العريض وزير الداخلية ليحل محل الحبالى، وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة، الأمر الذي أدى إلى موافقة حزب النهضة على تحييد وزارات السيادة بالمثل، كما أن انتقاد المعارضة لأداء الحكومة وسيطرة حزب النهضة على مفاصل الدولة في تونس واتهامها بالتساهل مع عنف الجماعات الدينية المتشددة ضد بعض المعارضين من العوامل التي جعلت النهضة تعدل من مسارها، وخاصة بعدما أعلنت أحزاب المعارضة بأن حركة النهضة قامت منذ توليها الحكم نهاية 2011، بتعيين أكثر من 1200 من المقربين منها على رأس الإدارات العمومية للسيطرة على مفاصل الدولة، معتبرة ذلك اختراقاً لمفاصل الدولة وتهديداً لحياد الإدارة، على حد وصفها.

ولذلك طالبت المعارضة في وقت مضى بتعيين مستقلين على رأس هذه الوزارات من أجل إعداد مناخ جيد قبل إجراء أي انتخابات بنهاية العام الحالي.

تحفظات ورفض

ومع الإعلان عن أولى نتائج التحقيق في اغتيال القيادي شكري بلعيد، نجح الوزير علي العريض في كسب نقاط من شأنها أن تعزز صورته في إطار مفاوضاته لتشكيل حكومة جديدة، لكن ذلك قد لا يكون كافياً للأحزاب المعارضة التي ما زالت تبدي تحفظاً على ترشيحه لمنصب رئاسة الحكومة لأنه يحسب على حزب النهضة الحاكم.

وأثار اختياره ردود فعل سلبية لدى المعارضة والسلفيين معاً، فهو يشغل منصب الأمين العام لحركة النهضة الإسلامية الحاكمة، ويصنف بين أبرز قادتها المتشددين، على حد وصف البعض.

وقد وصفته بعض قوى المعارضة بأنه الشخص غير المناسب لحكم تونس، وأنه نتاج مسار فاشل طوال المرحلة الانتقالية التي تجاوزت السنتين من عمر الثورة، بسبب إصرار حركة النهضة على التفرد بالسلطة.

ومع بداية تسييره للوزارة يرى البعض أن العريض واجه عدداً من الإخفاقات الأمنية مثل أحداث اقتحام السفارة الأمريكية، في حين يرى البعض بأنه أبدى نجاحاً ملموساً في وزارة الداخلية وتمكن من الرد على الانتقادات الموجهة له بالتقصير في أدائه.

وما يهمنا في هذا الصدد هو مدى تقييم البعض لصدور هذا القرار ومدى تحقيقه للإجماع الوطني في تونس.

تعقيبات مختلفة

شهدت الحالة التونسية عدة تعقيبات حول إعلان حركة النهضة الإسلامية موافقتها على تحييد الوزارات السيادية عند تشكيل الحكومة الجديدة المنتظر أن يشكلها القيادي بالحركة علي العريض.

وتوقع عدد من السياسيين احتمال تولي الحقائب الثلاثة شخصيات تكنوقراط، فيتولى وزارة العدل (قاض)، والداخلية (صاحب خبرة وكفاءة في الإطار الأمني أو العسكري)، في حين تختلف التوقعات حول مدى اختيارخبير اقتصادي ومالي لتولي وزارة المالية تكون له علاقات في الأوساط المالية والاقتصادية في العالم ويمكن أن يحظى بثقتها.

وقد تباينت التحليلات إزاء ذلك؛ حيث أشاد البعض بهذه الخطوة ووصفوها بالجريئة لأنها ستساهم في تخفيف حدة الاحتقان بالبلاد، وستثبت حركة النهضة يوماً بعد يوم تحليها بالحكمة والحنكة السياسية، بينما شن البعض هجوماً حاداً ضد حركة النهضة متهماً إياها بالخضوع أمام بؤر المعارضة الهشة والتنازل عن الثوابت التي كانت تنادي دوما بها والتي قام الشعب بانتخابها على أساسها وسيقوم بإسقاطها في الانتخابات القادمة لتركها.

في حين دعا البعض إلى التريث في التعامل مع هذا الإعلان من حركة النهضة وعدم التسرع بمدحه أو ذمه والاستفادة من التجربة طيلة الفترة الماضية مع حركة النهضة التي أثبتت أنها تجيد فكرة المراوغة والتلاعب السياسي، على حد وصفهم.

وتعقيباً على هذا القرار توقع عبد الوهاب الهاني رئيس حزب المجد عدم تغير الوضع حتى لو تم توسيع الائتلاف من ثلاثي إلى خماسي أو سداسي، وكان لحمادى الجبالي الرأي ذاته.

وبالرغم من قيام حركة النهضة بمفاوضات لتشكيل حكومة الائتلاف السياسي المرتقبة، أبدت ستة أطراف فقط حتى الآن موافقتها المبدئية والمشروطة للانضمام إلى الائتلاف.

وتضم اللائحة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات وهما الحزبان الشريكان في الائتلاف الثلاثي المستقيل إلى جانب حزب التنمية والإصلاح وحزب حركة وفاء وكتلة الحرية والكرامة في المجلس التأسيسي.

ورغم مبدأ توسيع المشاركة الذي سلكته حركة النهضة في تشكيل الائتلاف الحكومي، تعيب أحزاب أنه ظل مقتصرا على الأطراف السياسية التي تدور في فلك النهضة رغم إعلانات النهضة على توسيع الائتلاف.

ويرى البعض بأن هذا القرار غير كاف لحل المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتخبط فيها تونس، وآخرون يعتبرونه أمراً إيجابياً لكنه جاء متأخراً نوعاً ما واتسم بنفس الضبابية والتجاذبات التي فجرتها النهضة حول صياغة الدستور والنقاش حول الشريعة وكونية حقوق الإنسان.

ومن ثم نلخص إلى أن موافقة حركة النهضة على هذا القرار لم يكن بدوافع ذاتية بل نتيجة ضغط المعارضة على اتخاذ مثل هذا الإجراء، كما أن قرار التحييد لوحده غير كاف بل يجب أن تتوفر الإرادة الصادقة وأن يتحول إلى مستوى الواقع.

وبالرغم من انقسام الآراء حول قرار تحييد وزارات السيادة بين مؤيد له باعتباره خطوة مهمة في مسار الانتقال الديمقراطي وبين ناقد له على اعتبار أنه جاء متأخراً، غير أن عدم وضوح الصورة الكاملة لماهية الشخصيات التى تتولى تلك المناصب تجعل من الطبيعى الانتظار للحكم على مدى نجاح حزب النهضة في تحقيق الإجماع الوطني.

وبمدى الشفافية في اختيار القيادات واستقلالها عن الحزب الحاكم، يتحقق إلى حد كبير التوافق مع القوى المعارضة وتزيد فرص الاستقرار السياسي فى سبيل إنهاء الفترة الانتقالية التي طالت أكثر مما ينبغي.

 —————

مركز البحوث والدراسات

—————-

نقلاً عن محيط 

-- حاتم خاطر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*